ليلَةُ القَدْر: ليلَةُ العُمرِ كُلِّهِ..
أخي المسلم اللبيب!
اعلمْ أَنَّ ليلةَ القدرِ ليستْ ليلةً من ليالي العامِ فحسب، بل هي مفصلٌ من مفاصلِ العُمر؛ ليلةٌ جعلَ اللهُ فيها من البركةِ ما لا يجعلهُ في أَعمارٍ طويلة، حتى قالَ سبحانَه: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
فتأمَّلْ هذا الفضلَ العظيم: عملُ ليلةٍ واحدةٍ يعدِلُ عملَ ثلاثٍ وثمانين سنةً وزيادةً؛ كأَنَّ اللهَ فتحَ لعبادِه بابًا واسعًا لتعويضِ ما فاتَهُم من أَعمارِهم، ولإصلاحِ ما قصَّروا فيهِ من طاعتِهم. ولهذا كانَ النبيُّ ﷺ يُعظِّمُ شأنَ هذه اللَّيالي أَعظمَ التَّعظيم؛ فإذا دخلتِ العشْرُ »شدَّ مِئزرَهُ، وأَحيا ليلَه، وأَيقظَ أَهلَه« وهذا يدلُّ على أَنَّ إدراكَ ليلةِ القدرِ ليس بالأَماني، بل بالاجتهادِ والصِّدقِ في الطَّلب.
واعلمْ أَنَّ أَعظمَ ما يُطلبُ في هذه اللَّيالي ليس كثرةَ الحركات، بل »صِدقُ القلبِ مع الله«؛ فإنَّ ربَّكَ لا ينظرُ إلى كثرةِ العملِ بقدرِ ما ينظرُ إلى صِدقِ التَّوجُّهِ والانكسارِ بينَ يديه. وربَّ ركعتينِ صادقتينِ في جَوفِ اللَّيلِ رفعتْ صاحبَهما درجاتٍ لم يبلغْها بكثرةِ عملٍ بلا حُضورِ قَلْب.
يا عبدَ الله! كم من عبدٍ غيَّرتْ ليلةُ القدرِ مسارَ حياتِه، وكم من قلبٍ وُلدَ من جديدٍ في سجدةٍ خاشعةٍ في تلكَ اللَّيلةِ المباركة؛ إنَّها ليلةُ الـمَغفرةِ الكبرى، وليلةُ العِتْقِ من النَّار، وليلةُ كتابةِ المقادير؛ فأَحسنِ الوقوفَ بينَ يدي ربِّك، وأَكثرْ من الدُّعاءِ الذي علَّمهُ النبيُّ ﷺ لأُمِّ المؤمنين عائشةَ رضي اللهُ عنها: «اللَّهمَّ إنَّكَ عفوٌّ تُحبُّ العفوَ فاعفُ عنِّي».
واجعلْ همَّكَ في هذه اللَّيلة: توبةً صادقةً تَمحو ما مضى، ودعاءً صادقًا يُصلحُ ما بقي، وقلبًا جديدًا يخرجُ من رمضانَ غيرَ الذي دخلَ به؛ فإنَّ العارفَ باللهِ يعلمُ أَنَّ ليلةً واحدةً قد تُغيِّرُ مصيرَ عُمرٍ كامل.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

