»كلمَةٌ في الإنصافِ عندَ النَّقدِ«:

سَبيكةٌ منهجيَّةٌ: ليسَ الإنصافُ أَن تُسقِطَ الأَخطاءَ بحجَّةِ الحسناتِ، ولا أَن تمحوَ الحسناتِ بسببِ الأَخطاءِ؛ وإنَّما أَن تضعَ كلَّ شيءٍ في موضعِهِ، وتزنَهُ بقدرِهِ، وتحكمَ عليهِ بدليلِهِ.

أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للعدلِ والبصيرةِ - أَنَّ مِن أَخطرِ آفاتِ النَّقدِ أَن يختلطَ الحقُّ بالمبالغَةِ، والوقائعُ بالظُّنونِ، والنَّقدُ بالتشفِّي، والحكمُ على الفكرَةِ بالحكمِ على أَصحابِها ونيَّاتِهم؛ فإنَّ خطأً واحدًا غيرَ موثَّقٍ قد يفتحُ للخصمِ بابًا للطَّعنِ في جملَةٍ مِن الحقائقِ الثَّابتَةِ.

ولهذا؛ فإنَّ التَّقويمَ العلميَّ لأَيِّ جماعةٍ أَو مؤَسَّسةٍ أَو مشروعٍ ينبغي أَن يقومَ على أُصُولٍ واضحَةٍ:

نقدُ الفكرَةِ بالدَّليلِ، والموقفِ بالوثيقَةِ، والدَّعوى بالبرهانِ، والعلاقَةِ بقدْرِ ما ثبتَ منها، والأَثرِ بحجمِ ما دلَّتْ عليهِ الوقائِعُ؛ مِن غيرِ اقتحامٍ للنِّيَّاتِ ولا محاكمةٍ للسَّرائرِ.

ويجبُ كذلكَ التَّفريقُ بينَ المنهجِ والتَّطبيقِ، وبينَ القيادَةِ والقاعدَةِ، وبينَ الفردِ والمؤسَّسَةِ، وبينَ خطإٍ عارضٍ وانحرافٍ متكرِّرٍ أَصبحَ جزءًا مِنَ المسارِ؛ فليسَ كلُّ خطأٍ يُنسبُ إلى أَصلِ المدرسَةِ، كما أَنَّ تكرُّرَ الخطإِ المؤَسَّسيِّ لا يصحُّ التهوينُ منهُ بأَنَّهُ مجرَّدُ تصرُّفٍ فرديٍّ.

ولا يجوزُ أَن تُحمَّلَ مدرسَةٌ بأَكملِها جنايَةَ بعضِ المنتسبينَ إليها؛ فالطُّرقُ الصوفيَّةُ، والمدارسُ السَّلفيَّةُ، وجماعاتُ الإخوانِ والتبليغِ، وغيرُها مِنَ الاتجاهاتِ المنتسبَةِ إلى العملِ الإسلاميِّ؛ ليسَتْ كتلًا متماثلةً في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، بل تتفاوتُ أَفرادُها ومؤَسَّساتُها ومواقفُها، ويُحكَمُ على كلِّ واحدٍ منها بما ثبتَ عنهُ.

فلا الاسمُ وحدَهُ تزكيةٌ، ولا الانتسابُ وحدَهُ إدانَةٌ، ولا السَّابقةُ الحسنَةُ عصمَةٌ مِنَ الخطإِ، ولا الخطأُ الواحدُ مَمحاةٌ لتاريخٍ كاملٍ مِنَ الخيرِ.

والعدْلُ يقتضي أَيضًا أَلَّا تُستعملَ المحاسنُ ستارًا يحجبُ الأَخطاءَ، ولا الأَخطاءُ ذريعةً لمحوِ المحاسنِ؛ فالجماعاتُ والأَشخاصُ يُوزَنونَ بالحقِّ، ولا يُوزَنُ الحقُّ بهم.

قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.

وقالَ سبحانه: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾.

فالقاعدةُ المنهجيَّةُ: لا تُعمِّمْ خطأَ الفردِ على الجماعَةِ، ولا خطأَ فرعٍ على مدرسَةٍ كاملةٍ، ولا تحكمْ على النِّيَّاتِ، ولا تُبرِّئِ المنهجَ إذا صارَ الخطأُ فيه متكرِّرًا مؤَسَّسيًّا؛ بل اجمعِ البيِّناتِ، وحرِّرِ الوقائعَ، وفرِّقْ بينَ المراتبِ، ثمَّ احكمْ بالعدْلِ.

فالإنصافُ لا يُضعِفُ النَّقدَ، بل يمنحُهُ القوَّةَ والمصداقيَّةَ؛ والنَّاقدُ العادلُ أَقدرُ على كشفِ الخطإِ مِن ناقدٍ يُفسدُ حقَّه بالتعميمِ والتهويلِ؛ لأَنَّ غايةَ النَّقدِ الرَّاشدِ ليستْ إسقاطَ الأَشخاصِ والجماعاتِ، وإنَّما تقويمُ المسارِ، وحفظُ الحقِّ، ونُصحُ الأُمَّةِ.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

سلسلَةُ السَّبائِكِ العلميَّةِ في تأْهيلِ طالِبِ العلْمِ (٩-٢٠):

Next
Next

»مقاصِدُ الشَّريعَةِ؛ تأْصيلًا وتنزيلًا«: