سلسلَةُ السَّبائِكِ العلميَّةِ في تأْهيلِ طالِبِ العلْمِ (٩-٢٠):

•⁠ ⁠المرحلَةُ الثَّانيَةُ: أَدواتُ الفقيهِ وبناءُ مَلَكته:

•⁠ ⁠المرحلَةُ الثَّانيَةُ: أَدواتُ الفقيهِ وبناءُ مَلَكتِهِ:

٩- الأَشْباهُ والنَّظائِرُ؛ فِقْهُ أَنْسابِ المسائِلِ وصِناعةُ الملكَةِ:

•⁠ ⁠سَبيكةٌ علميَّةٌ: ** مَن حفِظَ المسائِلَ متفرِّقةً عرَفَ أَفرادَها، ومَن فقِهَ الأَشباهَ والنَّظائرَ عرَفَ أَنسابَها؛ فجمعَ ما اشتركَ بجامعٍ معتبرٍ، وفرَّقَ بين المتشابهاتِ بفوارقِها المؤثِّرةِ، وردَّ النَّازلَةَ - بعدَ تصوُّرِها وتحقيقِ مناطِها - إلى دليلِها وأَصلِها الشَّرعيِّ على بصيرَةٍ.

أَخي طالبَ العلمِ اللَّبيبَ!

اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ لفِقهِ الدَّقائقِ، وحُسنِ التَّمييزِ، ورسوخِ المَلَكةِ - أَنَّ فروعَ الفقهِ، وإن كثُرتْ وتشعَّبتْ، ليسَتْ مسائِلَ متناثرَةً لا نظامَ لها؛ بل بينها جوامِعُ تجمعُها، وقواعِدُ تضبطُها، وضوابِطُ تنتظمُها، ونظائِرُ يُستضاءُ بها، وفروقٌ مؤَثِّرَةٌ تمنَعُ مِنَ الجمعِ والإلحاقِ الفاسدِ.

ومِن هنا نشأَ فنُّ الأَشباهِ والنَّظائرِ؛ وهو مِن أَدقِّ مسالكِ الفقهِ وأَعظمِها أَثرًا في بناءِ المَلَكة؛ إذ يُعنَى بجمعِ الفروعِ المتشابهةِ أَو المشتركةِ في معنًى معتبرٍ، وردِّها إلى أُصولِها وقواعدِها وضوابطِها، والكشْفِ عمَّا بينها مِن وجوهِ الاجتماعِ والافتراقِ؛ بما يُعينُ على ضبْطِ الفروعِ، وفَهمِ مآخذِ الأَحكامِ، وتنميةِ مَلَكةِ الجمعِ والتفريقِ والتخريجِ.

وليسَ لهذا الفنِّ عندَ جميعِ المصنِّفينَ بناءٌ اصطلاحيٌّ واحدٌ؛ فقد تختلفُ مادَّتُهُ، وتقسيماتُهُ، وما يُدرجُ فيهِ، باختلافِ المؤلِّفينَ والمذاهبِ ومناهجِ التَّصنيفِ. كما لا يلزمُ أَن يكونَ لفظا «الأَشباه» و«النَّظائر» حدَّينِ اصطلاحيَّينِ متمايزينِ في كلِّ مصنَّف؛ بل كثيرًا ما يُستعملانِ عنوانًا مركَّبًا لفنٍّ واسعٍ يضمُّ أَبوابًا مِنَ القواعدِ، والضَّوابطِ، والجمعِ والفرقِ، والنَّظائرِ والاستثناءاتِ.

ولهذا فليسَ المقصودُ أَن تعرفَ أَنَّ هذِهِ المسأَلَةَ تشبهُ تلكَ فحسب؛ بل المقصودُ أَن تتدرَّبَ على السُّؤَالِ الفقهيِّ الدَّقيق:

ما وجهُ الشَّبهِ بينهما؟ وما الجامعُ المعتبرُ؟ وما مَدركُ الحكمِ؟ وهل التشابَهُ حقيقيٌّ مؤثِّرٌ، أَم هو تشابهٌ في الصُّورةِ فقط؟ وهل بين المسأَلتينِ فارقٌ شرعيٌّ معتبرٌ يمنعُ التسويةَ أَو الإلحاقَ؟

فهنا تبدأُ صناعةُ الفقيهِ.

فكم مِن مسأَلَتينِ تشابهتا في الصُّورةِ، ثم اختلفَ حكمُهما؛ لاختلافِ العِلَّةِ، أَو القصدِ، أَو المحلِّ، أَو الحالِ، أَو الوصفِ المؤثِّرِ.

وكم مِن مسأَلَتينِ تباعدتا في ظاهرِ الصُّورَةِ، ثم جمعَهما دليلٌ واحدٌ، أَو قاعدةٌ كلِّيَّةٌ، أَو معنًى شرعيٌّ مشتركٌ.

وهذا هو موطنُ الدِّقَّةِ؛ فإنَّ الفقهَ ليسَ جمعَ المتشابهاتِ في الصُّور، وإنَّما معرفةُ ما يَصحُّ جمعُهُ وما يجبُ تفريقُهُ، ولماذا اجتمعَ هذا وافترقَ ذاك.

وإذا أُريدَ إلحاقُ واقعةٍ بأَصلٍ مقيسٍ عليهِ؛ فلا يكفي مجرَّدُ الشَّبهِ الظاهر؛ بل لا بُدَّ مِن ثبوتِ حكمِ الأَصلِ بدليلِهِ، ومعرفَةِ عِلَّةِ الحكمِ أَو مناطِهِ، والتَّحقُّقِ مِن وجودِ ذلكَ المعنى في الفرعِ، معَ انتفاءِ الفارقِ المؤَثِّرِ والمانعِ المعتبرِ.

ولهذا ينبغي أَن تُحفَظَ هذِهِ القاعدَةُ:

النَّظيرُ يدلُّ الفقيهَ على موضعِ البحثِ، لكنَّهُ لا يستقِلُّ بإثباتِ الحكمِ؛ وإنَّما العِبرَةُ بالدليلِ، والجامعِ الشَّرعيِّ المعتبرِ، وسلامَةِ الإلحاقِ مِنَ الفارقِ المؤثِّرِ.

وهنا تظهرُ الصِّلَةُ الوثيقةُ بين الأَشباهِ والنَّظائرِ، والقواعِدِ الفقهيَّةِ، والضَّوابطِ، والفروقِ، مع وجوبِ التمييزِ بينها.

فالقاعدَةُ الفقهيَّةُ: تجمعُ - في الأَصلِ والغالبِ - فروعًا مِن أَبوابٍ متعدِّدَةٍ، نحو: »الأُمورُ بمقاصدِها« و»اليقينُ لا يزولُ بالشَّكِّ«.

وأَمَّا الضَّابطُ الفقهيُّ: فيجمعُ مسائِلَ بابٍ واحدٍ أَو مجالٍ فقهيٍّ أَضيقَ.

وأَمَّا الفروقُ الفقهيَّةُ: فتكشفُ الأَوصافَ والمعانيَ المؤثِّرةَ التي أَوجبت اختلافَ الحكمِ بين مسائلَ تتشابهُ في ظاهرِها؛ ولذلكَ كانَ فقهُ الفروقِ حارسًا للفقيهِ مِنَ القياسِ الفاسدِ والتسويَةِ بين ما فرَّقَ الشَّرعُ بينَهُ.

وأَمَّا الأَشباهُ والنَّظائرُ: فميدانُها أَوسعُ مِن مجرَّدِ حفظِ قاعدَةٍ جامعَة؛ لأَنَّها تُدرِّبُ الذهنَ على استحضارِ الفروعِ المتشابهةِ، والنَّظرِ في وجوهِ اجتماعِها وافتراقِها، وردِّها إلى أُصولِها، واختبارِ صِحَّةِ الإلحاقِ بينها.

وقد تضمَّنتْ بعضُ مصنَّفاتِ الأَشباهِ والنَّظائرِ - بحسب مناهجِ أَصحابِها - فنونًا أُخرى؛ كالمستثنياتِ، والجمعِ والفرقِ، والأَلغازِ والحِيَلِ الفقهيَّةِ؛ فلا يلزمُ مِن ورودِها في بعضِ تلك الكتبِ أَن تكونَ جميعُها مِن حقيقةِ الأَشباهِ والنَّظائرِ بالمعنى الاصطلاحيِّ الدقيق.

ولهذا قالَ السُّيوطيُّ - رحمه اللهُ - في مقدِّمةِ كتابِه «الأَشباه والنَّظائر»:

(اعلمْ أَنَّ فنَّ الأَشباهِ والنَّظائرِ فنٌّ عظيمٌ؛ بهِ يُطَّلعُ على حقائقِ الفقهِ ومداركِهِ ومآخذِهِ وأَسرارِهِ، ويتمهَّرُ في فَهمِهِ واستحضارِهِ، ويقتدرُ على الإلحاقِ والتخريجِ، ومعرفَةِ أَحكامِ المسائلِ التي ليسَتْ بمسطورَةٍ، والحوادثِ والوقائعِ التي لا تنقضي على ممرِّ الزَّمانِ».

وهذِهِ العبارَةُ تكشفُ عن الغايَةِ الكبرى مِن هذا الفنِّ؛ فإنَّه لا يُرادُ لزيادَةِ محفوظاتِ الطالبِ فحسب، وإنَّما لبناءِ عقلٍ فقهيٍّ منظَّمٍ يردُّ الجزئيَّاتِ إلى كلِّيَّاتِها، ويجمعُ النَّظائرَ، ويعرفُ الفروقَ، ويُحسنُ تخريجَ ما يستجدُّ مِن الوقائعِ على أُصولِهِ المعتبرَةِ.

فطالبُ العلمِ في بداياتِهِ قد يحفظُ حكمَ عشراتِ المسائلِ؛ فإذا بلغَ مرتبةً أَعلى مِن التَّأْصيلِ، بدأَ يسأَلُ:

ما الذي يجمعُ هذِهِ المسائلَ؟ ولماذا اتَّفقتْ في الحكمِ؟ ولماذا خرجتْ هذِهِ المسألةُ عنها؟ وهل خروجُها استثناءٌ تعبُّديٌّ، أَم لاختلافِ العِلَّةِ، أَم لفارقٍ آخرَ مؤثِّرٍ؟

وهذِهِ الأَسئلَةُ هي مِن أَهمِّ مفاتيحِ الانتقالِ مِن حفظِ الفقهِ إلى فَهمِ الفقهِ.

ومِن أَعظمِ ثمراتِ هذا الفنِّ؛ أَنَّه يحمي طالبَ العلمِ - بإذنِ اللهِ - مِن آفتينِ متقابلتينِ:

الأُولى: التسويَةُ بين مختلفَيْنِ لمجرَّدِ تشابهِ الصُّورةِ.

والثانية: التَّفريقُ بين متماثلَيْنِ مِن غيرِ فارقٍ شرعيٍّ مؤثِّرٍ.

وكلاهما خللٌ في ميزانِ الفقهِ؛ فإنَّ مِن العدلِ العلميِّ التسويَةَ بين المتماثلاتِ، والتَّفريقَ بين المختلفاتِ بحسبِ الفروقِ المؤثِّرَةِ، لا بحسبِ الأسَماءِ والصُّورِ والانطباعاتِ.

ولحُسنِ دراسةِ هذا الفنِّ؛ يحتاجُ طالبُ العلمِ إلى رصيدٍ صالحٍ مِن فقهِ الفروعِ، ومعرفةٍ بالقواعدِ والضوابطِ، وأُصولِ الاستدلالِ، ومباحثِ القياسِ والعِلَلِ وتحقيقِ المناطِ؛ لأَنَّ مَن قلَّ نصيبُهُ مِن الفروعِ لم يجدْ مادّةً كافيةً للجمعِ والموازنةِ، ومَن ضعُفَ تأْصيلُه الأُصوليُّ خشيَ عليهِ أَن يجعلَ التشابهَ الظاهريَّ دليلًا شرعيًّا.

ثمَّ يقرأُ كتبَ «الأَشباهِ والنَّظائرِ» قراءَةَ فَهمٍ وتدريبٍ، لا قراءَةَ سردٍ وحفظٍ فقط، ويُدرِّبُ نفسَهُ عندَ كلِّ مجموعَةٍ مِن المسائلِ على مفاتيحَ منهجيَّةٍ ثابتةٍ:

تصوُّرُ المسأَلَةِ، وتحريرُ محلِّها، ومعرفةُ دليلِها ومدركِ حكمِها، وتحديدُ الجامعِ، وجمعُ النظائرِ، واستقراءُ المستثنياتِ، والكشفُ عن الفروقِ المؤثِّرةِ، ثمَّ تحقيقُ المناطِ عندَ تنزيلِ الحكمِ على الواقعةِ الجديدةِ.

ولا يجعلْ طالبُ العلمِ هذا الفنَّ بديلًا عن النَّظرِ في الأَدلَّةِ، ولا طريقًا آليًّا إلى الفتوى في النَّوازل؛ فإنَّ التشابهَ الظَّاهريَّ ليسَ دليلًا على اتِّحادِ الحكمِ، كما أَنَّ اختلافَ الصُّورةِ لا يستلزمُ اختلافَ الحكمِ.

وقد تتجاذبُ الواقعةَ الواحدةَ قواعدُ متعدِّدةٌ، فيحتاجُ الفقيهُ إلى معرفةِ أَيِّها أَخصُّ بها وأَقوى أَثرًا فيها، وقد يمنعُ مِن تطبيقِ القاعدةِ نصٌّ خاصٌّ، أَو إجماعٌ، أَو فارقٌ مؤثِّرٌ، أَو تخلُّفُ شرطٍ، أَو وجودُ مانعٍ؛ ومِن هنا كانَ فقهُ الاستثناءاتِ والفروقِ وتحقيقِ المناطِ جزءًا مِن سلامةِ التنزيلِ، لا أَمرًا زائدًا عليه.

فالخلاصةُ المنهجيَّةُ:

الأَشباهُ والنَّظائرُ تكشفُ وجوهَ الاجتماعِ، والفروقُ تكشفُ أَسبابَ الافتراقِ، والقواعدُ والضوابطُ تنتظمُ بها الفروعُ، والأَدلَّةُ تُثبِتُ الأَحكامَ، وأُصُولُ الفقهِ تضبطُ طريقَ الاستدلالِ، وتحقيقُ المناطِ يَحكمُ تنزيلَ الحكمِ على الواقعةِ.

وباجتماعِ هذِهِ الأَدواتِ، مع طولِ الممارسةِ، وصحبةِ أَهلِ العلمِ، والتدرُّبِ على الجمعِ والتفريقِ والتخريجِ؛ ينتقلُ طالبُ العلمِ مِن حفظِ مسائلِ الفقهِ إلى فَهمِ بنائِهِ، ومِن استحضارِ الجزئيَّاتِ إلى إدراكِ الروابطِ بينها، ومِن كثرةِ المعلوماتِ إلى صناعةِ المَلَكةِ الفقهيَّةِ الرَّاسخةِ.

فليس الفقيهُ مَن كثُرتْ ْ محفوظاتُه فحسب؛ بل مَن أَحسنَ وَضْعَ كلِّ مسأَلَةٍ في موضعِها، وربطَها بأَصلِها، وعرفَ نظائرَها وفروقَها، ولم يُسوِّ بين ما فرَّقَ الشَّرعُ بينه، ولم يُفرِّقْ بين ما سوَّى الشَّرعُ بينه.

نسأَلُ اللهَ تعالى أَن يرزقَنا فقهًا في الدِّينِ، وبصيرةً في أَحكامِهِ، وفَهمًا لأُصولِهِ وفروعِهِ، وأَن يُحسنَ لنا الجمعَ والفَرْقَ، والتَّأْصيلَ والتَّخريجَ، وأَن يرزقَنا مَلَكةً فقهيَّةً منضبطةً بالوحيِ، بعيدَةً عن الجمودِ والتكلُّفِ والزللِ؛ إنَّهُ وليُّ ذلكَ والقادرُ عليه.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

سلسلَةُ السَّبائِكِ العلميَّةِ في تأْهيلِ طالِبِ العلْمِ (١٠-٢٠):

Next
Next

»كلمَةٌ في الإنصافِ عندَ النَّقدِ«: