• المرحلَةُ الثَّانيَةُ: أَدواتُ الفقيهِ وبناءُ مَلَكته:
• المرحلَةُ الثَّانيَةُ: أَدواتُ الفقيهِ وبناءُ مَلَكتِهِ:
١٠- »الفروقُ الفقهيَّةُ« حراسَةُ الفقيهِ؛ من الاغترارِ بتشابهِ الصُّوَرِ:
• سَبيكةٌ علميَّةٌ: التشابَهُ في الصُّورَةِ لا يقتضي التَّساويَ في الحكمِ؛ وإنَّما يصِحُّ إلحاقُ الفرعِ بنظيرِهِ؛ إذا ثبَتَ الجامعُ المعتبرُ، وانتفَى الفارقُ المؤَثِّرُ.
أَخي طالبَ العلمِ اللَّبيب!
اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ لحُسنِ التمييزِ ودقَّةِ الفهمِ - أَنَّ مِن دقائقِ الفقهِ وأَماراتِ رسوخِ المَلَكةِ: إدراكَ الجوامعِ والفروقِ بين المسائلِ؛ فقدْ تتشابهُ مسأَلتانِ في الظاهرِ، ثمَّ تختلفانِ في الحكمِ لاختلافٍ مؤثِّرٍ في العِلَّةِ، أَو القصدِ، أَو المحلِّ، أَو الشَّرطِ، أَو المانعِ، أَو المآلِ المعتبرِ.
و*فنُّ الفروقِ الفقهيَّةِ* يُعنى ببيانِ الأَوصافِ المؤثِّرةِ التي تقتضي اختلافَ الأَحكامِ بين مسائلَ تتشابهُ في الصُّورةِ أَو في بعضِ المعاني؛ للكشفِ عمَّا أَوجبَ افتراقَها، ومنعَ إلحاقِ إحداها بالأُخرى.
وقد أَشارَ السُّيوطيُّ إلى هذا الفنِّ بقوله: (وهو الفنُّ المسمَّى بالفروقِ، الذي يُذكَرُ فيه الفرقُ بين النَّظائرِ المتَّحدةِ تصويرًا ومعنًى، المختلفةِ حكمًا وعِلَّةً).
وإذا كانَ علمُ الأَشباهِ والنَّظائرِ يُدرِّبُ طالبَ العلمِ على اكتشافِ الجامعِ بين المسائلِ وردِّ بعضِها إلى بعضٍ؛ فإنَّ علمَ الفروقِ يحرسُ هذا الإلحاقَ من الخطأ، ويكشفُ الموضعَ الذي تمتنعُ فيه التسويةُ؛ فالأَشباهُ تكشفُ الجامعَ، والفروقُ تكشفُ مانعَ الإلحاقِ، وبهما يستقيمُ القياسُ والتخريجُ.
وليسَ كلُّ اختلافٍ بين مسأَلتينِ فارقًا معتبرًا؛ فإنَّ الفارقَ المؤثِّرَ وصفٌ دلَّ الدليلُ أَو الاستقراءُ الصَّحيحُ على اعتبارِه، وكانَ لاختلافِه أَثرٌ في اختلافِ الحكمِ أو منعِ التَّسويةِ بين المسأَلتينِ.
أَمَّا الفروقُ اللَّفظيَّةُ، أَو الشَّكليَّةُ، أَو المتكلَّفةُ التي لا تتعلَّقُ بمناطِ الحكمِ ولا تؤثِّرُ فيه؛ فلا تصلحُ أَساسًا للتفريقِ، فضلًا عن أَن تُتَّخذَ ذريعةً للتناقضِ أَو التحيُّلِ على أَحكامِ الشَّريعةِ.
وتظهرُ أَهميَّةُ هذا الفنِّ في أَنَّهُ يحمي طالبَ العلمِ من خطأينِ متقابلين:
التسويةِ بين مختلفينِ لمجرَّدِ تشابهِ الصُّورةِ، والتفريقِ بين متماثلينِ من غيرِ فارقٍ معتبرٍ.
وبه يُدركُ الفقيهُ مآخذَ اختلافِ الأَحكامِ، ويُحسنُ القياسَ والتخريجَ، ويميِّزُ بين ما يُلحَقُ بنظيرِهِ وما يمتنعُ إلحاقُه به، ويكونُ أَقدرَ على إلحاقِ النَّوازلِ بنظائرِها *بعد تحقيقِ المناطِ، وثبوتِ الجامعِ، وانتفاءِ الفارقِ المؤثِّرِ*؛ لا بمجرَّدِ التَّشابهِ الظاهرِ.
فـ*العمدُ والخطأُ* ـ مثلًا ـ قد يشتركانِ في صورةِ الفعلِ ونتيجتِهِ، لكنَّهما يفترقانِ في القصدِ وطريقةِ وقوعِ الفعلِ؛ فكانَ لهذا الفارقِ أَثرُه في الإثمِ، والمؤاخذةِ، والعقوبةِ، والضَّمانِ، على تفصيلِ الفقهاءِ.
وكذلكَ قد تتشابهُ العقودُ في ظاهرِها من جهةِ انتقالِ المالِ أَو المنفعةِ، ثمَّ تختلفُ أَحكامُها لاختلافِ حقائقِها ومقاصدِها؛ فالبيعُ ليسَ هِبةً، والقرضُ ليسَ بيعًا، والإجارةُ ليست إعارةً؛ وإن اشتركتْ في بعضِ الصُّوَرِ والآثارِ الظاهرةِ؛ لأَنَّ اختلافَ الحقيقةِ والوصفِ المؤثِّرِ يغيِّرُ التكييفَ، وباختلافِ التكييفِ يختلفُ الحكمُ.
ولحُسنِ دراسةِ الفروقِ، درِّبْ نفسَكَ عندَ كلِّ مسألتينِ متشابهتينِ أَن تسألَ:
ما وجهُ اشتراكِهما؟ وما موضعُ افتراقِهما؟ وهل هذا الفرقُ مؤثِّرٌ شرعًا أَم وصفٌ طَرْديٌّ لا أَثرَ لهُ؟ وما دليلُ اعتبارِه؟ وكيفَ أَثَّرَ في الحكمِ؟
فبهذا تنتقلُ من فقهِ الصُّوَرِ إلى فقهِ الحقائقِ، ومن حفظِ الأَحكامِ إلى فهمِ مآخذِها ومناطاتها.
واحذرْ طرفينِ: الجهلَ بالفروقِ؛ فيوقعُكَ في الإلحاقِ الفاسدِ، والتكلُّفَ في اختراعِ الفروقِ؛ فيوقعُكَ في التفريقِ بلا برهانٍ. وكما يفسدُ القياسُ بإغفالِ الفارقِ المؤثِّرِ، يفسدُ كذلكَ بتوهُّمِ فارقٍ لا أَثرَ لهُ في الشَّرعِ.
فالقاعدةُ: لا يكفي التَّشابهُ لإثباتِ التماثلِ في الحكمِ، كما لا يكفي مطلقُ الاختلافِ لإثباتِ الافتراقِ؛ وإنَّما العبرةُ بثبوتِ الجامعِ المعتبرِ، أَو قيامِ الفارقِ المؤثِّرِ.
والفقيهُ الرَّاسخُ لا تغرُّهُ مشابهةُ الصُّوَرِ حتَّى ينظرَ في الحقائقِ والمناطاتِ، ولا تُفرِّقُهُ الأَسماءُ حتَّى يتحقَّقَ من المعاني؛ فيجمعُ بدليلٍ، ويُفرِّقُ بدليلٍ.
نسأَلُ اللهَ تعالى أَن يرزقَنا فقهًا في دينِهِ، ودقَّةً في فهمِ أَحكامِهِ، وبصيرةً بمناطاتها وفروقِها، وأَن يُعلِّمَنا ما ينفعُنا، وينفعَنا بما علَّمَنا، ويزيدَنا علمًا ورُشدًا.. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

