»التَّربيَةُ بالقُدوَةِ قبلَ كثرَةِ الموعظَةِ«:

•⁠ ⁠سَبيكةٌ تربويَّةٌ: الموعظَةُ تُخاطِبُ سمعَ الطِّفلِ، أَمَّا القُدوَةُ فتُخاطِبُ حسَّهُ ووجدانَهُ، وما يراهُ متكرِّرًا في حياةِ مربِّيهِ؛ قدْ يرسَخُ فيهُ أَعمَقَ ممَّا يسمعُهُ عابرًا مِن توجيهاتِهم.

أَخي المربِّيَ اللَّبيبَ!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لحُسنِ التَّربيَةِ - أَنَّ الأَبناءَ لا تُشكِّلُهم الأَوامرُ والمواعظُ وحدَها؛ بل يُربِّيهم كذلكَ ما يرونَهُ مِنَّا كلَّ يومٍ، وما يعيشونَهُ في بيوتنا مِن قيمٍ وعاداتٍ ومواقفَ متكرِّرَةٍ؛ فالطِّفلُ يلتقِطُ السُّلوكَ قبلَ أَن يفهمَ كثيرًا مِنَ الكلامِ، ويُحاكي الفعْلَ قبلَ أَن يستوعِبَ الموعظةَ.

•⁠ ⁠فإنْ أَردتَهُ قارئًا؛فليَرَ الكتابَ في يدِكَ.

•⁠ ⁠وإنْ أَردتَهُ محافظًا على الصَّلاةِ؛ فليَرَ تعظيمَكَ لها ومبادرتَكَ إليها.

•⁠ ⁠وإنْ أَردتَهُ قليلَ التعلُّقِ بالشَّاشاتِ؛ فلا تجعلْ هاتفَكَ رفيقَكَ الدَّائمَ، ثمَّ تطلبْ منهُ ما لم تلتزمْهُ.

•⁠ ⁠وإنْ أَردتَهُ صادقًا رحيمًا منضبطًا؛ فليَرَ الصِّدقَ والرَّحمةَ والانضباطَ في معاملتِكَ لهُ ولغيرِهِ، قبلَ أَن يسمعَ الحديثَ عنها مِنكَ.

قالَ اللهُ تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].

ولا تعني التَّربيَةُ بالقُدوَةِ تركَ النَّصيحَةِ والتَّوجيهِ، ولا أَنَّ الفعلَ وحدَهُ يُغني عن البيانِ؛ بل التَّربيَةُ الرَّاشدَةُ تجمعُ بينَ الكلمَةِ الواضحَةِ، والقُدوَةِ الصَّالحةِ، والبيئَةِ المعينَةِ، والمتابعَةِ الحكيمَةِ؛ حتى لا تهدمَ الممارسةُ ما تبنيهِ الموعظةُ.

وليسَ المطلوبُ أَن يكونَ المربِّي معصومًا؛ فكلُّ إنسانٍ يخطئُ، ولا يجوزُ أَن يتركَ النَّصيحَةَ بحجَّةِ تقصيرِهِ. وإنَّما المطلوبُ أَن يجاهدَ نفسَهُ، وأَلَّا يُصِرَّ على خطئِهِ، وأَن يُحسنَ الرُّجوعَ إذا زلَّ؛ فإنَّ اعتذارَ الأَبِ أَو المعلِّمِ عندَ الخطإِ، واعترافَهُ بالتقصيرِ، ومبادرتَهُ إلى الإصلاحِ، قُدوةٌ عمليَّةٌ في الصِّدقِ والتواضعِ وتحملِ المسؤوليَّةِ.

ومعَ عِظَمِ أَثرِ القُدوَةِ؛ فهي سببٌ مِن أَسبابِ التَّربيَةِ وليسَتْ ضمانًا مستقِلًّا لصلاحِ الأَبناءِ؛ فالقلوبُ بيدِ اللهِ، والأَبناءُ يختلفونَ في طبائعِهم واستجاباتِهم، ويتأَثَّرونَ بالأُسرَةِ والصُّحبَةِ والبيئَةِ.

ولهذا يجمعُ المربِّي بينَ؛ بذلِ الأَسبابِ، وكثرَةِ الدُّعاءِ، وحُسنِ المتابعَةِ، والتوكُّلِ على اللهِ.

فابدَأْ بإصلاحِ نفسِكَ، ووافقْ بينَ قولِكَ وفعلِكَ، ولا تطلبْ مِن أَبنائِكَ كمالًا لا يرونَكَ تجاهدُ نفسَكَ في طريقِهِ؛ فإنَّ مِن أَبلغِ وسائلِ التَّربيَةِ قُدوةً حيَّةً يرونَها، وقيمَةً ثابتَةً يعيشونَها، وموقفًا صادقًا يتكرَّرُ أَمامَ أَعينِهم.

فالقاعدَةُ: لا تكفي الموعظَةُ بلا قُدوَةٍ، ولا القُدوَةُ بلا توجيهٍ، ولا كلاهما بلا دعاءٍ ومتابعَةٍ وبيئَةٍ صالحةٍ؛ والتَّربيَةُ الناجحَةُ أَن يسمَعَ الأَبناءُ الخيرَ مِنكَ، ثمَّ يروا أَثرَهُ فيكَ.

اللَّهُمَّ! أَصلحْنا وأَصلحْ لنا ذُرِّيَّاتِنا، واجعلْنا لهم قُدوةً في الإيمانِ والصِّدقِ والرَّحمةِ وحُسنِ الخُلُقِ، وأَعِنَّا على تربيتِهم بالعلمِ والحكمةِ، واحفظْهم مِن فتنِ الشُّبهاتِ والشَّهواتِ، واجعلْهم قُرَّةَ أَعينٍ لنا، وهُداةً مهتدينَ.. آمين!

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

شيخُ‭ ‬الإِسلامِ‭ ‬ابنُ‭ ‬تيميَّةَ‭ ‬ومخالِفُوهُ

Next
Next

سلسلَةُ السَّبائِكِ العلميَّةِ في تأْهيلِ طالِبِ العلْمِ (١٠-٢٠):