شيخُ‭ ‬الإِسلامِ‭ ‬ابنُ‭ ‬تيميَّةَ‭ ‬ومخالِفُوهُ

صلابةٌَ‭ ‬في‭ ‬بيانِ‭ ‬الحقِّ،‭ ‬وعدْلٌ‭ ‬في‭ ‬الحكمِ‭ ‬على‭ ‬الخلْقِ

الأَشاعرَةُ‭ ‬والمعتزلَةُ‭ ‬نموذجًا

الحمدُ‭ ‬للهِ،‭ ‬والصلاةُ‭ ‬والسلامُ‭ ‬على‭ ‬رسولِ‭ ‬اللهِ،‭ ‬وعلى‭ ‬آلِهِ‭ ‬وصحبِهِ‭ ‬ومَن‭ ‬والاهُ،‭ ‬أَمَّا‭ ‬بعدُ‭:‬

أَخيَ‭ ‬طالبَ‭ ‬العلمِ‭ ‬اللَّبيبَ‭!‬

اعلمْ‭ - ‬وفَّقني‭ ‬اللهُ‭ ‬وإيَّاكَ‭ ‬للعلمِ‭ ‬والعدْلِ‭ ‬والإنصافِ‭ - ‬أَنَّ‭ ‬شيخَ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬أَحمدَ‭ ‬بنَ‭ ‬عبدِ‭ ‬الحليمِ‭ ‬ابنَ‭ ‬تيميَّةَ‭ ‬‭ ‬أَحدُ‭ ‬أَعلامِ‭ ‬هذِهِ‭ ‬الأُمَّةِ‭ ‬الكبارِ،‭ ‬وأَئمَّةِ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬الَّذينَ‭ ‬خدَموا‭ ‬الكتابَ‭ ‬والسُّنَّةَ،‭ ‬وجاهَدوا‭ ‬في‭ ‬بيانِ‭ ‬التَّوحيدِ،‭ ‬ونصرَةِ‭ ‬منهجِ‭ ‬السَّلفِ،‭ ‬والردِّ‭ ‬على‭ ‬الفلاسفَةِ‭ ‬والباطنيَّةِ‭ ‬والجهميَّةِ‭ ‬والمعتزلَةِ‭ ‬وغيرِهم‭.‬

وقدْ‭ ‬جمعَ‭ ‬رحمه الله‭ ‬بينَ‭ ‬سعَةِ‭ ‬العلْمِ،‭ ‬وقوَّةِ‭ ‬الحجَّةِ،‭ ‬وكثرَةِ‭ ‬العبادَةِ،‭ ‬والجرأَةِ‭ ‬في‭ ‬قولِ‭ ‬الحقِّ،‭ ‬والصَّبْرِ‭ ‬على›‭ ‬الأَذى›؛‭ ‬فكتبَ‭ ‬في‭ ‬التَّفسيرِ‭ ‬والحديثِ‭ ‬والفقهِ‭ ‬والأُصُولِ‭ ‬والعقيدَةِ‭ ‬والمنطقِ‭ ‬والفلسفَةِ‭ ‬والسِّياسَةِ‭ ‬الشَّرعيَّةِ‭ ‬والسُّلوك،‭ ‬وتركَ‭ ‬للأُمَّةِ‭ ‬تراثًا‭ ‬علميًّا‭ ‬ضخمًا‭ ‬ما‭ ‬زالَ‭ ‬العلماءُ‭ ‬والباحثونَ‭ ‬ينتفعونَ‭ ‬بهِ‭.‬

ولم‭ ‬يكنْ‭ ‬رحمه الله‭ ‬معصومًا،‭ ‬ولا‭ ‬كانَ‭ ‬يرى‭ ‬نفسَهُ‭ ‬معصومًا؛‭ ‬بل‭ ‬كانَ‭ ‬يقرِّرُ‭ ‬أَنَّ‭ ‬كلَّ‭ ‬أَحدٍ‭ ‬يُؤخذُ‭ ‬من‭ ‬قولِهِ‭ ‬ويُتركُ‭ ‬إلَّا‭ ‬رسولَ‭ ‬اللهِ‭ #.‬

ولكنَّ‭ ‬الإنصافَ‭ ‬يقتضي‭ ‬أَن‭ ‬يُقرأَ‭ ‬تراثُهُ‭ ‬كاملًا،‭ ‬وأَلَّا‭ ‬تُنتزعَ‭ ‬عباراتُ‭ ‬الشدَّةِ‭ ‬من‭ ‬سياقِها،‭ ‬ولا‭ ‬عباراتُ‭ ‬الرِّفقِ‭ ‬من‭ ‬ضوابطِها؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬منهجَهُ‭ ‬في‭ ‬المخالفينَ‭ ‬قامَ‭ ‬على‭ ‬أَصلينِ‭ ‬متلازمين‭:‬

‭- ‬بيانُ‭ ‬الحقِّ‭ ‬من‭ ‬غيرِ‭ ‬مداهنَةٍ‭.‬

‭- ‬والعدْلُ‭ ‬معَ‭ ‬المخالفِ‭ ‬من‭ ‬غيرِ‭ ‬ظُلمٍ‭.‬

الوسطيَةُ‭ ‬عندَ‭ ‬ابنِ‭ ‬تيميَّة؛‭ ‬ليسَتْ‭ ‬مساومَةً‭ ‬على‭ ‬الحقِّ‭:‬

لم‭ ‬تكنْ‭ ‬وسطيَّةُ‭ ‬ابنِ‭ ‬تيميَّة؛‭ ‬أَن‭ ‬يقفَ‭ ‬في‭ ‬منتصفِ‭ ‬الطريقِ‭ ‬بينَ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬والبدعَةِ،‭ ‬أَو‭ ‬أَن‭ ‬يجعلَ‭ ‬الأَقوالَ‭ ‬المتناقضةَ‭ ‬متساويةَ؛‭ ‬بل‭ ‬كانتْ‭ ‬وسطيَّتُهُ‭ ‬قائمةً‭ ‬على‭ ‬وضعِ‭ ‬كلِّ‭ ‬قولٍ‭ ‬وقائلٍ‭ ‬في‭ ‬منزلتِهِ‭ ‬اللائقةِ‭ ‬بهِ‭.‬

فهو‭ ‬يردُّ‭ ‬المقالةَ‭ ‬الباطلة،‭ ‬ويكشفُ‭ ‬أُصولَها‭ ‬ولوازمَها،‭ ‬ولا‭ ‬يمنعُهُ‭ ‬ذلكَ‭ ‬من‭ ‬الاعترافِ‭ ‬بما‭ ‬عندَ‭ ‬قائلِها‭ ‬من‭ ‬علمٍ‭ ‬أَو‭ ‬فضلٍ‭ ‬أَو‭ ‬خدمةٍ‭ ‬للإسلام‭.‬

ويُثني‭ ‬على‭ ‬العالمِ‭ ‬فيما‭ ‬أَصابَ‭ ‬فيهِ،‭ ‬ويردُّ‭ ‬عليهِ‭ ‬فيما‭ ‬أَخطأَ؛‭ ‬فلا‭ ‬يحملُهُ‭ ‬حبُّهُ‭ ‬لأَحدٍ‭ ‬على‭ ‬قبولِ‭ ‬باطلِهِ،‭ ‬ولا‭ ‬خلافُهُ‭ ‬معهُ‭ ‬على‭ ‬جحدِ‭ ‬فضلِهِ‭.‬

فوسطيتُهُ‭ ‬لم‭ ‬تكنْ‭ ‬تمييعًا‭ ‬للفروقِ‭ ‬بينَ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬والبدعَةِ،‭ ‬كما‭ ‬أَنَّ‭ ‬شدَّتَهُ‭ ‬في‭ ‬نقدِ‭ ‬المقالاتِ‭ ‬لم‭ ‬تكنْ‭ ‬استباحَةً‭ ‬لأَعراضِ‭ ‬أَصحابِها‭ ‬أَو‭ ‬تكفيرًا‭ ‬لهم‭ ‬بالجملَةِ‭.‬

أَوَّلًا‭- ‬موقفُهُ‭ ‬العلميُّ‭ ‬منَ‭ ‬الأَشاعرَةِ‭:‬

لم‭ ‬يكنْ‭ ‬موقفُ‭ ‬ابنِ‭ ‬تيميَّةَ‭ ‬منَ‭ ‬الأَشاعرَةِ‭ ‬موقفًا‭ ‬واحدًا‭ ‬بسيطًا‭ ‬يُختصرُ‭ ‬في‭ ‬المدحِ‭ ‬المطلقِ‭ ‬أَو‭ ‬الذمِّ‭ ‬المطلق؛‭ ‬بل‭ ‬كانَ‭ ‬موقفًا‭ ‬تفصيليًّا‭ ‬يراعي‭ ‬أُمورًا‭ ‬عدَّة‭:‬

‭- ‬مقدارَ‭ ‬موافقتِهم‭ ‬للسُّنَّةِ‭.‬

‭- ‬نوعَ‭ ‬مخالفتِهم‭.‬

‭- ‬الفرقَ‭ ‬بينَ‭ ‬متقدِّميهم‭ ‬ومتأَخِّريهم‭.‬

‭- ‬الفرقَ‭ ‬بينَ‭ ‬المقالةِ‭ ‬وصاحبِها‭.‬

‭- ‬الفرقَ‭ ‬بينَ‭ ‬الإطلاقِ‭ ‬المطلقِ‭ ‬والحكمِ‭ ‬النسبي‭.‬

‭- ‬حالَ‭ ‬الشَّخصِ‭ ‬من‭ ‬العلمِ‭ ‬والاجتهادِ‭ ‬والتأْويلِ‭ ‬وقيامِ‭ ‬الحجَّةِ‭.‬

الأَشاعرَةُ‭ ‬أَقربُ‭ ‬المتكلِّمينَ‭ ‬إلى‭ ‬أَهلِ‭ ‬السُّنَّةِ‭:‬

كانَ‭ ‬ابنُ‭ ‬تيميَّة‭ ‬يرى‭ ‬أَنَّ‭ ‬الأشاعرةَ‭ ‬أَقربُ‭ ‬طوائفِ‭ ‬أَهلِ‭ ‬الكلامِ‭ ‬إلى‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬والحديثِ،‭ ‬وأَنَّ‭ ‬في‭ ‬كلامِهم‭ ‬من‭ ‬موافقةِ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬والأَدلَّةِ‭ ‬الصَّحيحَةِ‭ ‬ما‭ ‬ليسَ‭ ‬عندَ‭ ‬كثيرٍ‭ ‬منَ‭ ‬الطوائفِ‭ ‬الكلاميَّةِ‭.‬

ولهذا‭ ‬قالَ‭ ‬إنَّهم‭ ‬يُعَدُّونَ‭ ‬من‭ ‬أَهلِ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬والجماعة‭ ‬عندَ‭ ‬المقارنَةِ‭ ‬بالمعتزلَةِ‭ ‬والرَّافضَةِ،‭ ‬بل‭ ‬قدْ‭ ‬يكونونَ‭ ‬هم‭ ‬أَهلَ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬في‭ ‬البلادِ‭ ‬الَّتي‭ ‬تسودُ‭ ‬فيها‭ ‬تلكَ‭ ‬البدَع‭. ‬ومعَ‭ ‬ذلكَ‭ ‬انتقدَ‭ ‬الأُصولَ‭ ‬الكلاميَّةَ‭ ‬الَّتي‭ ‬وافقوا‭ ‬فيها‭ ‬الجهميَّةَ‭ ‬والمعتزلَةَ‭.‬

وهذا‭ ‬من‭ ‬أَدقِّ‭ ‬موازينِهِ؛‭ ‬فهو‭ ‬لم‭ ‬يسوِّ‭ ‬بينَ‭ ‬الأَشاعرَةِ‭ ‬والمعتزلَةِ،‭ ‬ولم‭ ‬يجعلِ‭ ‬الأَشاعرَةَ‭ ‬ممثِّلينَ‭ ‬للسُّنَّةِ‭ ‬المحضَةِ‭ ‬في‭ ‬جميعِ‭ ‬الأَبوابِ‭.‬

فهم‭ ‬عندَهُ‭ ‬أَقربُ‭ ‬إلى‭ ‬أَهلِ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬منَ‭ ‬المعتزلَةِ‭ ‬والجهميَّةِ‭ ‬والفلاسفَةِ،‭ ‬ويُدخلونَ‭ ‬في‭ ‬الدائرَةِ‭ ‬السُّنِّيَّةِ‭ ‬العامَّة‭ ‬عندَ‭ ‬بعضِ‭ ‬المقارنات؛‭ ‬لكنَّهم‭ ‬خالفوا‭ ‬طريقةَ‭ ‬السَّلفِ‭ ‬وأَهلِ‭ ‬الحديثِ‭ ‬في‭ ‬جملَةٍ‭ ‬من‭ ‬مسائلِ‭ ‬الصِّفاتِ‭ ‬والكلامِ‭ ‬والإيمانِ‭ ‬والقدْرِ‭ ‬ومنهجِ‭ ‬الاستدلالِ‭.‬

لم‭ ‬يجعلِ‭ ‬الأَشاعرَةَ‭ ‬طبقَةً‭ ‬واحدَةً‭:‬

فرَّقَ‭ ‬شيخُ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬بينَ‭ ‬أَبي‭ ‬الحسنِ‭ ‬الأَشعريِّ‭ ‬نفسِهِ،‭ ‬وبينَ‭ ‬متقدِّمي‭ ‬أَصحابِهِ‭ ‬ومتأَخِّريهم،‭ ‬ورأَى‭ ‬أَنَّ‭ ‬أَبا‭ ‬الحسنِ‭ ‬بعدَ‭ ‬مفارقتِهِ‭ ‬المعتزلةَ‭ ‬اقتربَ‭ ‬من‭ ‬طريقَةِ‭ ‬أَهلِ‭ ‬الحديثِ‭ ‬والإمامِ‭ ‬أَحمد،‭ ‬وأَنَّ‭ ‬بعضَ‭ ‬المتأَخِّرينَ‭ ‬أَدخلوا‭ ‬في‭ ‬المذهبِ‭ ‬من‭ ‬أُصولِ‭ ‬الفلسفَةِ‭ ‬والكلامِ‭ ‬ما‭ ‬زادَهُ‭ ‬بُعدًا‭ ‬عن‭ ‬طريقةِ‭ ‬السَّلفِ‭.‬

وقد‭ ‬ذكرَ‭ ‬أَنَّ‭ ‬الأَشعريَّ‭ ‬كانَ‭ ‬من‭ ‬أَجلِّ‭ ‬المتكلِّمينَ‭ ‬المنتسبينَ‭ ‬إلى‭ ‬الإمامِ‭ ‬أَحمدَ‭ ‬والمنتصرينَ‭ ‬لطريقِهِ،‭ ‬وأَنَّهُ‭ ‬كانَ‭ ‬أَقربَ‭ ‬إلى‭ ‬أُصولِ‭ ‬أَحمدَ‭ ‬من‭ ‬بعضِ‭ ‬المنتسبينَ‭ ‬إلى‭ ‬المذهبِ‭ ‬الحنبليِّ‭ ‬ممَّن‭ ‬تأثَّرَ‭ ‬بعلمِ‭ ‬الكلام‭.‬

وهذا‭ ‬يدلُّ‭ ‬على‭ ‬أَنَّ‭ ‬ابنَ‭ ‬تيميَّة‭ ‬لم‭ ‬يكنْ‭ ‬يحكمُ‭ ‬بالأَسماءِ‭ ‬المجرَّدَةِ؛‭ ‬فلا‭ ‬يجعلُ‭ ‬كلَّ‭ ‬حنبليٍّ‭ ‬أَقربَ‭ ‬إلى‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬من‭ ‬كلِّ‭ ‬أَشعري،‭ ‬بل‭ ‬ينظرُ‭ ‬في‭ ‬حقيقَةِ‭ ‬القولِ‭ ‬ومدى‭ ‬قربِهِ‭ ‬من‭ ‬الكتابِ‭ ‬والسُّنَّةِ‭ ‬وآثارِ‭ ‬السَّلفِ‭.‬

نقدُهُ‭ ‬للأَشاعرَةِ‭ ‬كانَ‭ ‬نقدًا‭ ‬أُصوليًّا‭:‬

ردَّ‭ ‬ابنُ‭ ‬تيميَّة‭ ‬على‭ ‬الأَشاعرَةِ‭ ‬في‭ ‬مسائلَ‭ ‬عقديَّةٍ‭ ‬ومنهجيَّةٍ،‭ ‬ومن‭ ‬أَبرزِها‭:‬

‭- ‬اعتمادُ‭ ‬بعضِهم‭ ‬على‭ ‬دليلِ‭ ‬الأَعراضِ‭ ‬وحدوثِ‭ ‬الأَجسام‭.‬

‭- ‬تقديمُ‭ ‬قواعدَ‭ ‬كلاميَّةٍ‭ ‬محدثةٍ‭ ‬عندَ‭ ‬توهُّمِ‭ ‬التعارضِ‭ ‬بينها‭ ‬وبينَ‭ ‬ظواهرِ‭ ‬النُّصوصِ‭.‬

‭- ‬تأويلُ‭ ‬جملةٍ‭ ‬منَ‭ ‬الصِّفاتِ‭ ‬الإلهيَّة،‭ ‬أَو‭ ‬تفويضُ‭ ‬معانيها‭.‬

‭- ‬قولُهم‭ ‬في‭ ‬الكلامِ‭ ‬النفسيِّ‭ ‬وما‭ ‬ترتَّبَ‭ ‬عليهِ‭ ‬في‭ ‬حقيقَةِ‭ ‬القرآنِ‭.‬

‭- ‬تعريفُ‭ ‬كثيرٍ‭ ‬منهم‭ ‬للإيمانِ‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يُدخلُ‭ ‬الأَعمالَ‭ ‬في‭ ‬حقيقتِهِ‭.‬

‭- ‬بعضُ‭ ‬أَقوالِهم‭ ‬في‭ ‬القدرَةِ‭ ‬والكسبِ‭ ‬والحكمةِ‭ ‬والتعليل‭.‬

فلم‭ ‬يكنْ‭ ‬خلافُهُ‭ ‬معهم‭ ‬خلافًا‭ ‬لفظيًّا‭ ‬كلُّهُ،‭ ‬ولا‭ ‬كانَ‭ ‬من‭ ‬مسائلِ‭ ‬الفروعِ‭ ‬اليسيرَةِ؛‭ ‬بل‭ ‬رأَى‭ ‬أَنَّ‭ ‬عندَهم‭ ‬أَخطاءً‭ ‬حقيقيَّةً‭ ‬في‭ ‬أَبوابٍ‭ ‬من‭ ‬أُصولِ‭ ‬الاعتقادِ‭.‬

ومعَ‭ ‬ذلكَ‭ ‬لم‭ ‬يجعلْ‭ ‬خطأَهم‭ ‬في‭ ‬هذهِ‭ ‬الأَبوابِ‭ ‬موجبًا‭ ‬لتكفيرِ‭ ‬أَعيانِهم،‭ ‬ولم‭ ‬يُنكرْ‭ ‬ما‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬خدماتٍ‭ ‬في‭ ‬ردِّ‭ ‬الإلحادِ‭ ‬والفلسفةِ‭ ‬والاعتزال‭.‬

اعترافُهُ‭ ‬بحسناتِ‭ ‬أَئمَّتِهم‭:‬

ذكرَ‭ ‬ابنُ‭ ‬تيميَّةَ‭ ‬جماعةً‭ ‬من‭ ‬أَئمَّةِ‭ ‬الأَشاعرةِ‭ ‬كالباقلَّانيِّ‭ ‬والجوينيِّ‭ ‬والغزاليِّ‭ ‬والرَّازي،‭ ‬وبيَّنَ‭ ‬أَنَّ‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬الإسلامِ‭ ‬جهودًا‭ ‬مشكورَةً،‭ ‬وحسناتٍ‭ ‬في‭ ‬الردِّ‭ ‬على‭ ‬أَهلِ‭ ‬الإلحادِ‭ ‬والبدَعِ،‭ ‬والانتصارِ‭ ‬لكثيرٍ‭ ‬من‭ ‬مسائلِ‭ ‬السُّنَّة‭.‬

ثمَّ‭ ‬بيَّنَ‭ ‬أَنَّهم‭ ‬لمَّا‭ ‬تبنَّوا‭ ‬بعضَ‭ ‬الأُصولِ‭ ‬المأخوذَةِ‭ ‬منَ‭ ‬المعتزلة‭ ‬لزمتْهم‭ ‬أَقوالٌ‭ ‬أَنكرَها‭ ‬عليهم‭ ‬أَهلُ‭ ‬العلمِ‭ ‬والدِّين؛‭ ‬فصارَ‭ ‬بعضُ‭ ‬الناسِ‭ ‬يعظِّمُهم‭ ‬لمحاسنِهم،‭ ‬وبعضُهم‭ ‬يذمُّهم‭ ‬لما‭ ‬وقعوا‭ ‬فيه‭ ‬منَ‭ ‬البدع،‭ ‬ثمَّ‭ ‬قرَّرَ‭ ‬ميزانَهُ‭ ‬الجامع‭: ‬‮«‬وخيارُ‭ ‬الأُمورِ‭ ‬أَوسطُها‮»‬‭.‬

فلم‭ ‬يكنْ‭ ‬إنصافُهُ‭ ‬لهم‭ ‬سكوتًا‭ ‬عن‭ ‬أخطائِهم،‭ ‬ولم‭ ‬يكنْ‭ ‬ردُّهُ‭ ‬عليهم‭ ‬جحدًا‭ ‬لحسناتِهم؛‭ ‬بل‭ ‬أَعطى‭ ‬كلَّ‭ ‬جانبٍ‭ ‬حقَّه‭.‬

ثانيًا‭- ‬موقفُهُ‭ ‬منَ‭ ‬المعتزلَةِ‭:‬

كانَ‭ ‬موقفُهُ‭ ‬منَ‭ ‬المعتزلةِ‭ ‬أَشدَّ‭ ‬من‭ ‬موقفِهِ‭ ‬منَ‭ ‬الأَشاعرَةِ؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬المعتزلةَ‭ ‬أَبعدُ‭ ‬عن‭ ‬طريقةِ‭ ‬أَهلِ‭ ‬الحديث،‭ ‬وقد‭ ‬أَصلوا‭ ‬أُصولًا‭ ‬خالفوا‭ ‬بها‭ ‬السَّلفَ‭ ‬في‭ ‬أَبوابٍ‭ ‬كبرى،‭ ‬ومنها‭:‬

‭- ‬نفيُ‭ ‬صفاتِ‭ ‬اللهِ‭ ‬أَو‭ ‬ردُّ‭ ‬كثيرٍ‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬الذَّاتِ‭.‬

‭- ‬القولُ‭ ‬بخلقِ‭ ‬القرآن‭.‬

‭- ‬نفيُ‭ ‬رؤيةِ‭ ‬اللهِ‭ ‬تعالى‭ ‬في‭ ‬الآخرَةِ‭.‬

‭- ‬القولُ‭ ‬بأَنَّ‭ ‬العبدَ‭ ‬يخلقُ‭ ‬فعلَ‭ ‬نفسِهِ‭.‬

‭- ‬إنفاذُ‭ ‬الوعيدِ‭ ‬وتخليدُ‭ ‬صاحبِ‭ ‬الكبيرَةِ‭ ‬في‭ ‬النَّارِ‭.‬

‭- ‬القولُ‭ ‬بالمنزلةِ‭ ‬بينَ‭ ‬المنزلتين‭.‬

‭- ‬بناءُ‭ ‬العقيدةِ‭ ‬على‭ ‬أُصولٍ‭ ‬كلاميَّةٍ‭ ‬محدثَةٍ‭.‬

ومعَ‭ ‬شدَّةِ‭ ‬نقدِهِ‭ ‬لهذهِ‭ ‬الأُصولِ؛‭ ‬لم‭ ‬يكنْ‭ ‬يظلمُ‭ ‬كلَّ‭ ‬معتزليٍّ‭ ‬أَو‭ ‬ينفي‭ ‬عنهُ‭ ‬كلَّ‭ ‬علمٍ‭ ‬وفضل؛‭ ‬فقد‭ ‬أَثنى‭ ‬على‭ ‬عبدِ‭ ‬الرحمنِ‭ ‬الأصمِّ‭ ‬‭- ‬معَ‭ ‬كونِهِ‭ ‬من‭ ‬رؤوسِ‭ ‬المعتزلَةِ‭ - ‬فوصفَهُ‭ ‬بأَنَّهُ‭ ‬من‭ ‬فضلاءِ‭ ‬الناسِ‭ ‬وعلمائِهم،‭ ‬ومن‭ ‬أَذكيائِهم‭ ‬وأَحدِّهم‭ ‬ذهنًا‭. ‬

وهذا‭ ‬يدلُّ‭ ‬على‭ ‬أَنَّهُ‭ ‬كانَ‭ ‬يفرِّقُ‭ ‬بينَ‭ ‬فسادِ‭ ‬الأَصلِ‭ ‬العقدي،‭ ‬وبينَ‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يكونُ‭ ‬عندَ‭ ‬صاحبهِ‭ ‬من‭ ‬ذكاءٍ‭ ‬أَو‭ ‬علمٍ‭ ‬أَو‭ ‬صوابٍ‭ ‬في‭ ‬بعضِ‭ ‬المسائِلِ‭.‬

فالأَشاعرَةُ‭ ‬والمعتزلَةُ‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬عندَهُ‭ ‬في‭ ‬مرتبةٍ‭ ‬واحدَةٍ،‭ ‬كما‭ ‬أَنَّ‭ ‬أَفرادَ‭ ‬كلِّ‭ ‬طائفَةٍ‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬سواءً‭ ‬في‭ ‬العلمِ‭ ‬والقصدِ‭ ‬والبدعَةِ‭ ‬والقرَبِ‭ ‬منَ‭ ‬السُّنَّةِ‭.‬

ثالثًا‭- ‬أُصولُ‭ ‬منهجِهِ‭ ‬في‭ ‬التعاملِ‭ ‬معَ‭ ‬المخالف‭:‬

‮١- ‬الكلامُ‭ ‬في‭ ‬النَّاسِ‭ ‬بعلْمٍ‭ ‬وعدْلٍ‭:‬

كانَ‭ ‬من‭ ‬قواعدِهِ‭ ‬الكبرى‭ ‬أَنَّ‭ ‬الكلامَ‭ ‬في‭ ‬الطوائفِ‭ ‬والأَشخاصِ‭ ‬يجبُ‭ ‬أَن‭ ‬يكونَ‭ ‬بعلمٍ‭ ‬وعدْلٍ،‭ ‬لا‭ ‬بجهلٍ‭ ‬وظلمٍ‭:‬

‭- ‬فالعلمُ‭ ‬يمنعُ‭ ‬منَ‭ ‬الكذبِ‭ ‬وسوءِ‭ ‬الفهمِ‭ ‬ونسبةِ‭ ‬الأَقوالِ‭ ‬إلى‭ ‬مَن‭ ‬لم‭ ‬يقلْها‭.‬

‭- ‬والعدْلُ‭ ‬يمنعُ‭ ‬من‭ ‬جحدِ‭ ‬الحسناتِ‭ ‬والمبالغَةِ‭ ‬في‭ ‬الأَخطاءِ‭ ‬وتحميلِ‭ ‬القائلِ‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يحتملُهُ‭ ‬كلامُهُ‭.‬

ولهذا‭ ‬لم‭ ‬يكنْ‭ ‬يقبلُ‭ ‬أَن‭ ‬يُردَّ‭ ‬الباطلُ‭ ‬بباطلٍ،‭ ‬أَو‭ ‬البدعَةُ‭ ‬ببدعَةٍ،‭ ‬أَو‭ ‬الظُّلمُ‭ ‬بظلمٍ؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬الانتصارَ‭ ‬للسُّنَّةِ‭ ‬لا‭ ‬يكونُ‭ ‬بمخالفةِ‭ ‬أَخلاقِ‭ ‬السُّنَّةِ‭.‬

٢- ‬التفريقُ‭ ‬بينَ‭ ‬المقالةِ‭ ‬وقائلِها‭:‬

قد‭ ‬تكونُ‭ ‬المقالَةُ‭ ‬كفرًا‭ ‬أَو‭ ‬بدعةً‭ ‬أَو‭ ‬ضلالًا‭ ‬في‭ ‬ذاتِها،‭ ‬ولا‭ ‬يلزمُ‭ ‬من‭ ‬ذلكَ‭ ‬أَن‭ ‬يكونَ‭ ‬كلُّ‭ ‬مَن‭ ‬قالَ‭ ‬بها‭ ‬كافرًا‭ ‬أَو‭ ‬فاسقًا‭ ‬أَو‭ ‬آثمًا؛‭ ‬فقد‭ ‬يقولُها‭ ‬جاهلٌ‭ ‬َأو‭ ‬متأوِّلٌ‭ ‬أَو‭ ‬مقلِّدٌ،‭ ‬أَو‭ ‬يخفى‭ ‬عليهِ‭ ‬الدليلُ،‭ ‬أَو‭ ‬لا‭ ‬تبلغهُ‭ ‬الحجَّةُ‭ ‬على‭ ‬وجهِها‭.‬

وكانَ‭ ‬ابنُ‭ ‬تيميَّة‭ ‬يقرِّر‭ ‬أَنَّهُ‭ ‬من‭ ‬أَعظمِ‭ ‬الناسِ‭ ‬نهيًا‭ ‬عن‭ ‬نسبةِ‭ ‬المعيَّنِ‭ ‬إلى‭ ‬الكفرِ‭ ‬أَو‭ ‬الفسقِ‭ ‬أَو‭ ‬المعصيةِ‭ ‬حتى‭ ‬تقومَ‭ ‬عليهِ‭ ‬الحجَّةُ‭ ‬الرساليَّة‭. ‬

وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أَنَّهُ‭ ‬لا‭ ‬يحكمُ‭ ‬على‭ ‬الأَقوالِ‭ ‬الباطلَةِ،‭ ‬وإنَّما‭ ‬يعني‭ ‬أَنَّ‭ ‬تنزيلَ‭ ‬الحكمِ‭ ‬على‭ ‬المعيَّنِ‭ ‬بابٌ‭ ‬آخرُ‭ ‬لهُ‭ ‬شروطُهُ‭ ‬وموانعُهُ‭.‬

‮‬‭ -٣ ‬عدمُ‭ ‬مقابلةِ‭ ‬التكفيرِ‭ ‬بالتكفيرِ‭:‬

قرَّرَ‭ ‬رحمه الله‭ ‬أَنَّ‭ ‬أَهلَ‭ ‬العلمِ‭ ‬والسُّنَّةِ‭ ‬لا‭ ‬يكفِّرونَ‭ ‬مَن‭ ‬خالفَهم‭ ‬لمجرَّدِ‭ ‬أَنَّهُ‭ ‬كفَّرَهم؛‭ ‬لأَنَّ‭ ‬التكفيرَ‭ ‬حكمٌ‭ ‬شرعيٌّ‭ ‬وحقٌّ‭ ‬لله،‭ ‬وليسَ‭ ‬عقوبةً‭ ‬شخصيَّةً‭ ‬يُقابلُ‭ ‬بها‭ ‬الاعتداءُ‭ ‬بالمثل‭.‬

فكما‭ ‬لا‭ ‬يجوزُ‭ ‬للإنسانِ‭ ‬أَن‭ ‬يكذبَ‭ ‬على‭ ‬مَن‭ ‬كذبَ‭ ‬عليهِ،‭ ‬لا‭ ‬يجوزُ‭ ‬أَن‭ ‬يكفِّرَ‭ ‬مَن‭ ‬كفَّرَهُ‭ ‬بغيرِ‭ ‬حقٍّ؛‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬يُكفَّرُ‭ ‬إلَّا‭ ‬مَن‭ ‬دلَّ‭ ‬الكتابُ‭ ‬والسُّنَّةُ‭ ‬على‭ ‬كفرِهِ،‭ ‬بعدَ‭ ‬استيفاءِ‭ ‬الضوابطِ‭ ‬الشرعيَّة‭.‬

‮‬‭ -٤‬‭ ‬التفريقُ‭ ‬بينَ‭ ‬مسائلِ‭ ‬الاجتهادِ‭ ‬وأُصولِ‭ ‬الاعتقاد‭:‬

كانَ‭ ‬رحمه الله‭ ‬يرى‭ ‬أَنَّ‭ ‬المسائلَ‭ ‬الاجتهاديَّةَ‭ ‬الَّتي‭ ‬ليسَ‭ ‬فيها‭ ‬نصٌّ‭ ‬صريحٌ‭ ‬ولا‭ ‬إجماعٌ‭ ‬لا‭ ‬يُنكرُ‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬المجتهدِ‭ ‬أَو‭ ‬المقلِّدِ‭ ‬إنكارَ‭ ‬تبديعٍ‭ ‬وتفسيقٍ‭.‬

أَمَّا‭ ‬الأَقوالُ‭ ‬المخالفَةُ‭ ‬للنصوصِ‭ ‬والإجماعِ‭ ‬وأُصولِ‭ ‬الاعتقادِ؛‭ ‬فكانَ‭ ‬يردُّها‭ ‬ويبيِّنُ‭ ‬فسادَها؛‭ ‬لكنَّهُ‭ ‬يفرِّقُ‭ ‬في‭ ‬الحكمِ‭ ‬على‭ ‬أَصحابِها‭ ‬بحسبِ‭ ‬العلمِ‭ ‬والقصدِ‭ ‬والتأْويلِ‭ ‬وقيامِ‭ ‬الحجَّةِ‭.‬

فالاجتماعُ‭ ‬عندَهُ‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬تركَ‭ ‬البيان،‭ ‬والإنكارُ‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬تمزيقَ‭ ‬الأُخوَّةِ‭ ‬الإيمانيَّة‭ ‬أَو‭ ‬استحلالَ‭ ‬الظُّلمِ‭.‬

‮‬‭ -٥ ‬مراعاةُ‭ ‬درجاتِ‭ ‬الطوائفِ‭ ‬والأَشخاص‭:‬

لم‭ ‬يكنْ‭ ‬يضعُ‭ ‬المخالفينَ‭ ‬جميعًا‭ ‬في‭ ‬سلَّةٍ‭ ‬واحدَةٍ؛‭ ‬بل‭ ‬كانَ‭ ‬يرتِّبُ‭ ‬الطوائفَ‭ ‬بحسبِ‭ ‬قربِها‭ ‬منَ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬وبُعدِها‭ ‬عنها‭.‬

فالأَشاعرَةُ‭ ‬عندَهُ‭ ‬أَقربُ‭ ‬إلى‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬منَ‭ ‬المعتزلَةِ،‭ ‬والمعتزلَةُ‭ ‬أَقربُ‭ ‬منَ‭ ‬الفلاسفَةِ‭ ‬المحضةِ‭ ‬والباطنيَّةِ،‭ ‬وأَفرادُ‭ ‬كلِّ‭ ‬طائفةٍ‭ ‬يختلفونَ‭ ‬بحسبِ‭ ‬علمِهم‭ ‬وقصدِهم‭ ‬ومقدارِ‭ ‬موافقتِهم‭ ‬للحقِّ‭.‬

ومن‭ ‬هنا؛‭ ‬كانَ‭ ‬الحكمُ‭ ‬عندَهُ‭ ‬نسبيًّا‭ ‬من‭ ‬بعضِ‭ ‬الجهاتِ،‭ ‬معَ‭ ‬بقاءِ‭ ‬الحقِّ‭ ‬في‭ ‬نفسِهِ‭ ‬واحدًا‭ ‬لا‭ ‬يتعدَّد‭.‬

‮‬‭ -٦ ‬الاعترافُ‭ ‬بما‭ ‬عندَ‭ ‬المخالفِ‭ ‬من‭ ‬حقِّ‭:‬

لم‭ ‬يكنْ‭ ‬ابنُ‭ ‬تيميَّة‭ ‬يردُّ‭ ‬كلَّ‭ ‬ما‭ ‬جاءَ‭ ‬بهِ‭ ‬المخالفِ؛‭ ‬بل‭ ‬يقبلُ‭ ‬الحقَّ‭ ‬ممَّن‭ ‬جاءَ‭ ‬به،‭ ‬ويردُّ‭ ‬الباطلَ‭ ‬ولو‭ ‬قالَهُ‭ ‬مَن‭ ‬يحبُّه‭.‬

فقد‭ ‬أَثنى‭ ‬على‭ ‬ذكاءِ‭ ‬بعضِ‭ ‬المعتزلَةِ،‭ ‬وعلى‭ ‬ردودِ‭ ‬الأَشاعرَةِ‭ ‬على‭ ‬الفلاسفَةِ‭ ‬والملاحدَةِ،‭ ‬وعلى‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬كتبِ‭ ‬الغزاليِّ‭ ‬من‭ ‬كلامٍ‭ ‬نافعٍ‭ ‬في‭ ‬أَعمالِ‭ ‬القلوب،‭ ‬معَ‭ ‬بيانِ‭ ‬ما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬موادَّ‭ ‬فلسفيَّةٍ‭ ‬وأَحاديثَ‭ ‬ضعيفةٍ‭ ‬وأَخطاءٍ‭.‬

وهذا‭ ‬هو‭ ‬الإنصافُ‭ ‬الحقيقي‭: ‬أَلَّا‭ ‬يجعلَ‭ ‬الإنسانُ‭ ‬مخالفتَهُ‭ ‬لشخصٍ‭ ‬مانعةً‭ ‬من‭ ‬رؤيةِ‭ ‬صوابِهِ،‭ ‬ولا‭ ‬إعجابَهُ‭ ‬به‭ ‬مانعًا‭ ‬من‭ ‬رؤيةِ‭ ‬خطئِهِ‭.‬

‮‬‭ -٧ ‬السعيُ‭ ‬إلى‭ ‬جمعِ‭ ‬القلوبِ‭ ‬على‭ ‬الحقِّ‭:‬

ذكرَ‭ ‬ابنُ‭ ‬تيميَّة‭ ‬أَنَّ‭ ‬بينَ‭ ‬الحنابلةِ‭ ‬والأَشاعرَةِ‭ ‬في‭ ‬عصرِهِ‭ ‬وحشةً‭ ‬ومنافرَةً،‭ ‬وأَنَّهُ‭ ‬كانَ‭ ‬من‭ ‬أَعظمِ‭ ‬الناسِ‭ ‬سعيًا‭ ‬في‭ ‬تأْليفِ‭ ‬قلوبِ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬وإزالًةِ‭ ‬تلكَ‭ ‬الوحشَةِ‭.‬

لكنَّهُ‭ ‬لم‭ ‬يكنْ‭ ‬يريدُ‭ ‬جمعَهم‭ ‬على‭ ‬عقيدَةٍ‭ ‬ملفَّقةٍ‭ ‬أَو‭ ‬مساومةٍ‭ ‬علميَّة؛‭ ‬بل‭ ‬كانَ‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬جمعِهم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬ثبتَ‭ ‬عن‭ ‬سلفِ‭ ‬الأُمَّةِ،‭ ‬وإزالةِ‭ ‬ما‭ ‬نشأَ‭ ‬بينهم‭ ‬من‭ ‬تعصُّبٍ‭ ‬وسوءِ‭ ‬فهمٍ‭ ‬وبغي‭.‬

فالجمعُ‭ ‬المحمودُ‭ ‬عندَهُ‭ ‬هو‭ ‬الاجتماعُ‭ ‬على‭ ‬الحقِّ‭ ‬والعدْلِ،‭ ‬لا‭ ‬جمعُ‭ ‬المتناقضاتِ‭ ‬ولا‭ ‬السُّكوتُ‭ ‬عنِ‭ ‬الأُصولِ‭ ‬الباطلَةِ‭.‬

‮‬‭ -٨ ‬العفوُ‭ ‬عنِ‭ ‬المخالفِ‭ ‬وعدمُ‭ ‬الانتقامِ‭ ‬للنَّفسِ‭:‬

كانَتْ‭ ‬أَخلاقُهُ‭ ‬العمليَّةُ‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬منهجِهِ‭ ‬العلمي؛‭ ‬فقد‭ ‬آذاهُ‭ ‬خصومُهُ،‭ ‬وسعوا‭ ‬في‭ ‬سجنِهِ‭ ‬ومنعِهِ‭ ‬منَ‭ ‬التدريسِ‭ ‬والإفتاءِ،‭ ‬واتُّهمَ‭ ‬وكُفِّرَ‭ ‬وحُرِّضَ‭ ‬عليهِ،‭ ‬ومعَ‭ ‬ذلكَ‭ ‬لمَّا‭ ‬تمكَّنَ‭ ‬من‭ ‬بعضِهم‭ ‬عفا‭ ‬وصفح‭.‬

ولمَّا‭ ‬أَرادَ‭ ‬السلطانُ‭ ‬أَن‭ ‬ينتقمَ‭ ‬من‭ ‬القضاةِ‭ ‬الَّذينَ‭ ‬سعوا‭ ‬في‭ ‬أَذيَّتِهِ،‭ ‬أَخذَ‭ ‬ابنُ‭ ‬تيميَّة‭ ‬في‭ ‬تعظيمِ‭ ‬مكانتِهم‭ ‬وبيانِ‭ ‬حاجةِ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬إليهم،‭ ‬وقالَ‭ ‬بمعنى‭ ‬كلامِهِ:‭) ‬مَن‭ ‬آذاني‭ ‬فهو‭ ‬في‭ ‬حِلٍّ،‭ ‬وأَنا‭ ‬لا‭ ‬أَنتصرُ‭ ‬لنفسي)‭.‬

حتَّى‭ ‬قالَ‭ ‬القاضي‭ ‬ابنُ‭ ‬مخلوف،‭ ‬وكانَ‭ ‬من‭ ‬خصومِهِ‭ :‬ما‭ ‬رأَينا‭ ‬مثلَ‭ ‬ابنِ‭ ‬تيميَّة؛‭ ‬حرَّضنا‭ ‬عليهِ‭ ‬فلم‭ ‬نقدرْ‭ ‬عليهِ،‭ ‬وقدرَ‭ ‬علينا‭ ‬فصفحَ‭ ‬عنَّا‭ ‬ودافعَ‭ ‬عنَّا‭.‬

وهذا‭ ‬من‭ ‬أَعظمِ‭ ‬الشواهدِ‭ ‬على‭ ‬أَنَّ‭ ‬شدَّتَهُ‭ ‬في‭ ‬الردودِ‭ ‬لم‭ ‬تكنْ‭ ‬ناشئةً‭ ‬عن‭ ‬حظوظِ‭ ‬النفس،‭ ‬وإنَّما‭ ‬كانتْ‭ - ‬فيما‭ ‬نحسبُهُ‭ - ‬غيرةً‭ ‬على‭ ‬الحق؛‭ ‬فإذا‭ ‬تعلَّقَ‭ ‬الأمرُ‭ ‬بحقِّهِ‭ ‬الشخصيِّ‭ ‬عفا‭ ‬وصفح‭.‬

رابعًا‭- ‬هل‭ ‬كانَ‭ ‬خطابُهُ‭ ‬ليِّنًا‭ ‬دائمًا؟

لم‭ ‬يكنْ‭ ‬ابنُ‭ ‬تيميَّة‭ ‬رحمه الله‭ ‬يستعملُ‭ ‬أُسلوبًا‭ ‬واحدًا‭ ‬معَ‭ ‬جميعِ‭ ‬المخالفين‭.‬

فالأَصلُ‭ ‬عندَهُ‭ ‬الدعوةُ‭ ‬بالحكمةِ،‭ ‬والمجادلةُ‭ ‬بالَّتي‭ ‬هي‭ ‬أَحسن،‭ ‬والعدلُ‭ ‬والرفق؛‭ ‬لكنَّهُ‭ ‬قد‭ ‬يغلظُ‭ ‬في‭ ‬بعضِ‭ ‬المواضعِ‭ ‬على‭ ‬مَن‭ ‬رآهُ‭ ‬متعمِّدًا‭ ‬للبغيِ‭ ‬أَو‭ ‬التلبيسِ‭ ‬أَو‭ ‬الطعنِ‭ ‬في‭ ‬الكتابِ‭ ‬والسُّنَّة‭.‬

وقد‭ ‬بيَّنَ‭ ‬أَنَّ‭ ‬لينَ‭ ‬الخطابِ‭ ‬هو‭ ‬الأَصل،‭ ‬ولكنَّ‭ ‬لكلِّ‭ ‬مقامٍ‭ ‬مقالًا،‭ ‬وأَنَّ‭ ‬الرِّفقَ‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬تركَ‭ ‬الحزمِ‭ ‬حيثُ‭ ‬يحتاجُ‭ ‬المقامُ‭ ‬إليه‭.‬

ولهذا‭ ‬لا‭ ‬يصحُّ‭ ‬أَن‭ ‬تُجمعَ‭ ‬عباراتُهُ‭ ‬الشديدةُ‭ ‬ثمَّ‭ ‬يُحكمَ‭ ‬منها‭ ‬بأَنَّهُ‭ ‬كانَ‭ ‬إقصائيًّا،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يصحُّ‭ ‬جمعُ‭ ‬عباراتِ‭ ‬إنصافِهِ‭ ‬وعفوِهِ‭ ‬ثمَّ‭ ‬الادِّعاءُ‭ ‬بأَنَّهُ‭ ‬كانَ‭ ‬يرى‭ ‬الخلافَ‭ ‬العقديَّ‭ ‬كلَّهُ‭ ‬سائغًا‭.‬

والواجبُ‭ ‬فهمُ‭ ‬كلِّ‭ ‬عبارةٍ‭ ‬بحسبِ‭ ‬موضوعِها‭ ‬ومخاطَبِها‭ ‬وسياقِها‭.‬

خامسًا‭- ‬خلاصةُ‭ ‬موقفِهِ‭ ‬منَ‭ ‬الأَشاعرَةِ‭ ‬والمعتزلَةِ‭:‬

يمكنُ‭ ‬تلخيصُ‭ ‬موقفِ‭ ‬شيخِ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬في‭ ‬القواعدِ‭ ‬الآتية‭:‬

الأَشاعرَةُ‭ ‬ليسوا‭ ‬عندَهُ‭ ‬في‭ ‬مرتبةِ‭ ‬المعتزلَةِ؛‭ ‬بل‭ ‬هم‭ ‬أَقربُ‭ ‬طوائفِ‭ ‬المتكلِّمينَ‭ ‬إلى‭ ‬أَهلِ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬والحديثِ‭.‬

يُعَدُّ‭ ‬الأَشاعرةُ‭ ‬منَ‭ ‬الدائرَةِ‭ ‬السُّنِّيَّةِ‭ ‬العامَّة‭ ‬عندَ‭ ‬المقابلةِ‭ ‬بالرَّافضةِ‭ ‬والمعتزلَةِ،‭ ‬لكنَّهم‭ ‬لا‭ ‬يمثِّلونَ‭ ‬السُّنَّةَ‭ ‬المحضة‭ ‬في‭ ‬المسائلِ‭ ‬الَّتي‭ ‬خالفوا‭ ‬فيها‭ ‬السَّلفِ‭.‬

المعتزلةُ‭ ‬أَبعدُ‭ ‬عن‭ ‬منهجِ‭ ‬السَّلفِ؛‭ ‬لما‭ ‬أَصلوهُ‭ ‬من‭ ‬نفيِ‭ ‬الصِّفاتِ‭ ‬والقولِ‭ ‬بخلقِ‭ ‬القرآنِ‭ ‬والقدَرِ‭ ‬والمنزلَةِ‭ ‬بينَ‭ ‬المنزلتين‭ ‬وإنفاذِ‭ ‬الوعيدِ‭.‬

ليسَ‭ ‬جميعُ‭ ‬الأَشاعرةِ‭ ‬سواء،‭ ‬ولا‭ ‬جميعُ‭ ‬المعتزلةِ‭ ‬سواء؛‭ ‬بل‭ ‬تختلفُ‭ ‬أَحكامُ‭ ‬الأَفرادِ‭ ‬باختلافِ‭ ‬العلمِ‭ ‬والقصدِ‭ ‬والاجتهادِ‭ ‬والتأويل‭.‬

المقالةُ‭ ‬الباطلةُ‭ ‬تُردُّ‭ ‬وتُبيَّن،‭ ‬لكنَّ‭ ‬الحكمَ‭ ‬على‭ ‬قائلِها‭ ‬المعيَّنِ‭ ‬يحتاجُ‭ ‬إلى‭ ‬قيامِ‭ ‬الحجَّةِ‭ ‬وانتفاءِ‭ ‬الموانع‭.‬

لا‭ ‬يمنعُ‭ ‬الخطأُ‭ ‬العقديُّ‭ ‬منَ‭ ‬الاعترافِ‭ ‬بما‭ ‬للعالِمِ‭ ‬من‭ ‬علمٍ‭ ‬وفضلٍ‭ ‬وخدمةٍ‭ ‬للإسلامِ‭.‬

لا‭ ‬يجوزُ‭ ‬مقابلةُ‭ ‬المخالفِ‭ ‬بالظلمِ‭ ‬أَو‭ ‬البهتانِ‭ ‬أو‭ ‬التكفيرِ‭ ‬بغيرِ‭ ‬حقٍّ‭.‬

المطلوبُ‭ ‬جمعُ‭ ‬كلمةِ‭ ‬المسلمينَ‭ ‬على‭ ‬الحق،‭ ‬لا‭ ‬جمعُهم‭ ‬على‭ ‬المجاملةِ‭ ‬أَو‭ ‬التنازلِ‭ ‬عن‭ ‬أُصولِ‭ ‬الاعتقادِ‭.‬

الخلاصَةُ‭ ‬المنهجيَّةُ‭:‬

إنَّ‭ ‬موقفَ‭ ‬شيخِ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬ابنِ‭ ‬تيميَّةَ‭ ‬منَ‭ ‬المخالفين،‭ ‬ومنَ‭ ‬الأَشاعرَةِ‭ ‬والمعتزلَةِ‭ ‬خاصَّةً؛‭ ‬لم‭ ‬يكنْ‭ ‬موقفَ‭ ‬مَن‭ ‬يذيبُ‭ ‬الفروقَ‭ ‬بينَ‭ ‬الحقِّ‭ ‬والباطل،‭ ‬ولا‭ ‬موقفَ‭ ‬مَن‭ ‬يُسقطُ‭ ‬حرمةَ‭ ‬المسلمِ‭ ‬وفضلَهُ‭ ‬بسببِ‭ ‬خطئِهِ‭.‬

كانَ‭ ‬قويًّا‭ ‬في‭ ‬ردِّ‭ ‬المقالات،‭ ‬رحيمًا‭ ‬بكثيرٍ‭ ‬من‭ ‬أَصحابِها؛‭ ‬يزنُ‭ ‬الأَقوالَ‭ ‬بالكتابِ‭ ‬والسُّنَّةِ،‭ ‬ويزنُ‭ ‬الأَشخاصَ‭ ‬بالعلمِ‭ ‬والعدْلِ‭ ‬والإنصافِ‭.‬

فلم‭ ‬تمنعْهُ‭ ‬شدَّةُ‭ ‬مخالفتِهِ‭ ‬للأشاعرةِ‭ ‬من‭ ‬الاعترافِ‭ ‬بقربِهم‭ ‬منَ‭ ‬السُّنَّة‭ ‬بالنسبةِ‭ ‬إلى‭ ‬غيرِهم،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬الثناءِ‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬جهودٍ‭ ‬في‭ ‬خدمةِ‭ ‬الإسلامِ‭.‬

ولم‭ ‬تمنعْهُ‭ ‬شدَّةُ‭ ‬ردِّهِ‭ ‬على‭ ‬المعتزلةِ‭ ‬من‭ ‬الاعترافِ‭ ‬بذكاءِ‭ ‬بعضِ‭ ‬أَئمَّتِهم‭ ‬وعلمِهم‭ ‬وصوابِهم‭ ‬في‭ ‬بعضِ‭ ‬الأَبواب‭.‬

ولم‭ ‬تحملْهُ‭ ‬إساءَةُ‭ ‬خصومِهِ‭ ‬وتكفيرُهم‭ ‬له‭ ‬وسعيُهم‭ ‬في‭ ‬سجنِهِ‭ ‬على‭ ‬أَن‭ ‬يكفِّرَهم‭ ‬بغيرِ‭ ‬حقٍّ،‭ ‬أَو‭ ‬ينتقمَ‭ ‬منهم‭ ‬حينَ‭ ‬قدرَ‭ ‬عليهم‭.‬

وهكذا‭ ‬يكونُ‭ ‬العالمُ‭ ‬الربَّانيُّ‭: ‬لا‭ ‬يجاملُ‭ ‬في‭ ‬الحقِّ،‭ ‬ولا‭ ‬يظلمُ‭ ‬الخلق؛‭ ‬يردُّ‭ ‬الخطأ،‭ ‬ويحفظُ‭ ‬للمسلمِ‭ ‬حرمتَهُ،‭ ‬ويعرفُ‭ ‬للعالِمِ‭ ‬فضلَهُ،‭ ‬ويميِّزُ‭ ‬بينَ‭ ‬البدعَةِ‭ ‬وصاحبِها،‭ ‬وبينَ‭ ‬الحكمِ‭ ‬المطلقِ‭ ‬والحكمِ‭ ‬على‭ ‬المعيَّن‭.‬

فمَن‭ ‬َأرادَ‭ ‬الاقتداءَ‭ ‬بابنِ‭ ‬تيميَّة؛‭ ‬فلا‭ ‬يكفيهِ‭ ‬أَن‭ ‬يحفظَ‭ ‬عباراتِهِ‭ ‬الشديدةَ‭ ‬في‭ ‬الردِّ‭ ‬على‭ ‬المخالفين،‭ ‬ثمَّ‭ ‬يتركَ‭ ‬عدلَهُ‭ ‬وإنصافَهُ‭ ‬ورحمتَهُ‭ ‬وعفوَهُ‭ ‬عنهم‭.‬

ولا‭ ‬يكفيهِ‭ ‬أَن‭ ‬يتحدَّثَ‭ ‬عن‭ ‬عفوِهِ‭ ‬وسعةِ‭ ‬صدرِهِ،‭ ‬ثمَّ‭ ‬يتجاهلَ‭ ‬قيامَهُ‭ ‬ببيانِ‭ ‬السُّنَّةِ‭ ‬وردِّ‭ ‬البدع‭.‬

بل‭ ‬يكونُ‭ ‬مثلهُ‭ ‬بحقٍّ‭ ‬حينَ‭ ‬يجمعُ‭ ‬ما‭ ‬جمعَهُ‭ ‬شيخُ‭ ‬الإسلام‭:‬

علمًا‭ ‬بلا‭ ‬تعصُّب،‭ ‬وقوَّةً‭ ‬بلا‭ ‬ظلمٍ،‭ ‬وإنصافًا‭ ‬بلا‭ ‬تمييعٍ،‭ ‬ورحمةً‭ ‬بلا‭ ‬مداهنةٍ،‭ ‬واجتماعًا‭ ‬على‭ ‬الحقِّ‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬حسابِ‭ ‬الحقِّ‭.‬

حمَ‭ ‬اللهُ‭ ‬شيخَ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬ابنَ‭ ‬تيميَّةَ‭ ‬رحمةً‭ ‬واسعة،‭ ‬وجزاهُ‭ ‬عنِ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬والمسلمينَ‭ ‬خيرَ‭ ‬الجزاء،‭ ‬ورزقَنا‭ ‬العلمَ‭ ‬النافع،‭ ‬والعدلَ‭ ‬معَ‭ ‬الموافقِ‭ ‬والمخالف،‭ ‬والتمسُّكَ‭ ‬بالكتابِ‭ ‬والسُّنَّةِ‭ ‬على‭ ‬فهمِ‭ ‬السَّلفِ‭ ‬الصالح،‭ ‬إنَّهُ‭ ‬سميعٌ‭ ‬قريب‭.‬

وصلَّى›‭ ‬اللهُ‭ ‬وسلَّمَ‭ ‬وباركَ‭ ‬على›‭ ‬نبيِّنا‭ ‬محمَّدٍ،‭ ‬وعلى›‭ ‬آلِهِ‭ ‬وصحبِهِ‭ ‬أَجمعينَ‭.‬

والحمدُ‭ $‬ِ‭ ‬الَّذي‭ ‬بنعمتِهِ‭ ‬تتمُّ‭ ‬الصَّالحاتُ‭.‬

⁠

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

٢٠ صفر ١٤٤٨هــ

Previous
Previous

»حينَ تُسخَّرُ الفتوى لخدمَةِ المحتلِّ«:

Next
Next

»التَّربيَةُ بالقُدوَةِ قبلَ كثرَةِ الموعظَةِ«: