صلابةٌَ في بيانِ الحقِّ، وعدْلٌ في الحكمِ على الخلْقِ
الأَشاعرَةُ والمعتزلَةُ نموذجًا
الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن والاهُ، أَمَّا بعدُ:
أَخيَ طالبَ العلمِ اللَّبيبَ!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للعلمِ والعدْلِ والإنصافِ - أَنَّ شيخَ الإسلامِ أَحمدَ بنَ عبدِ الحليمِ ابنَ تيميَّةَ أَحدُ أَعلامِ هذِهِ الأُمَّةِ الكبارِ، وأَئمَّةِ الإسلامِ الَّذينَ خدَموا الكتابَ والسُّنَّةَ، وجاهَدوا في بيانِ التَّوحيدِ، ونصرَةِ منهجِ السَّلفِ، والردِّ على الفلاسفَةِ والباطنيَّةِ والجهميَّةِ والمعتزلَةِ وغيرِهم.
وقدْ جمعَ رحمه الله بينَ سعَةِ العلْمِ، وقوَّةِ الحجَّةِ، وكثرَةِ العبادَةِ، والجرأَةِ في قولِ الحقِّ، والصَّبْرِ على› الأَذى›؛ فكتبَ في التَّفسيرِ والحديثِ والفقهِ والأُصُولِ والعقيدَةِ والمنطقِ والفلسفَةِ والسِّياسَةِ الشَّرعيَّةِ والسُّلوك، وتركَ للأُمَّةِ تراثًا علميًّا ضخمًا ما زالَ العلماءُ والباحثونَ ينتفعونَ بهِ.
ولم يكنْ رحمه الله معصومًا، ولا كانَ يرى نفسَهُ معصومًا؛ بل كانَ يقرِّرُ أَنَّ كلَّ أَحدٍ يُؤخذُ من قولِهِ ويُتركُ إلَّا رسولَ اللهِ #.
ولكنَّ الإنصافَ يقتضي أَن يُقرأَ تراثُهُ كاملًا، وأَلَّا تُنتزعَ عباراتُ الشدَّةِ من سياقِها، ولا عباراتُ الرِّفقِ من ضوابطِها؛ لأَنَّ منهجَهُ في المخالفينَ قامَ على أَصلينِ متلازمين:
- بيانُ الحقِّ من غيرِ مداهنَةٍ.
- والعدْلُ معَ المخالفِ من غيرِ ظُلمٍ.
الوسطيَةُ عندَ ابنِ تيميَّة؛ ليسَتْ مساومَةً على الحقِّ:
لم تكنْ وسطيَّةُ ابنِ تيميَّة؛ أَن يقفَ في منتصفِ الطريقِ بينَ السُّنَّةِ والبدعَةِ، أَو أَن يجعلَ الأَقوالَ المتناقضةَ متساويةَ؛ بل كانتْ وسطيَّتُهُ قائمةً على وضعِ كلِّ قولٍ وقائلٍ في منزلتِهِ اللائقةِ بهِ.
فهو يردُّ المقالةَ الباطلة، ويكشفُ أُصولَها ولوازمَها، ولا يمنعُهُ ذلكَ من الاعترافِ بما عندَ قائلِها من علمٍ أَو فضلٍ أَو خدمةٍ للإسلام.
ويُثني على العالمِ فيما أَصابَ فيهِ، ويردُّ عليهِ فيما أَخطأَ؛ فلا يحملُهُ حبُّهُ لأَحدٍ على قبولِ باطلِهِ، ولا خلافُهُ معهُ على جحدِ فضلِهِ.
فوسطيتُهُ لم تكنْ تمييعًا للفروقِ بينَ السُّنَّةِ والبدعَةِ، كما أَنَّ شدَّتَهُ في نقدِ المقالاتِ لم تكنْ استباحَةً لأَعراضِ أَصحابِها أَو تكفيرًا لهم بالجملَةِ.
أَوَّلًا- موقفُهُ العلميُّ منَ الأَشاعرَةِ:
لم يكنْ موقفُ ابنِ تيميَّةَ منَ الأَشاعرَةِ موقفًا واحدًا بسيطًا يُختصرُ في المدحِ المطلقِ أَو الذمِّ المطلق؛ بل كانَ موقفًا تفصيليًّا يراعي أُمورًا عدَّة:
- مقدارَ موافقتِهم للسُّنَّةِ.
- نوعَ مخالفتِهم.
- الفرقَ بينَ متقدِّميهم ومتأَخِّريهم.
- الفرقَ بينَ المقالةِ وصاحبِها.
- الفرقَ بينَ الإطلاقِ المطلقِ والحكمِ النسبي.
- حالَ الشَّخصِ من العلمِ والاجتهادِ والتأْويلِ وقيامِ الحجَّةِ.
الأَشاعرَةُ أَقربُ المتكلِّمينَ إلى أَهلِ السُّنَّةِ:
كانَ ابنُ تيميَّة يرى أَنَّ الأشاعرةَ أَقربُ طوائفِ أَهلِ الكلامِ إلى السُّنَّةِ والحديثِ، وأَنَّ في كلامِهم من موافقةِ السُّنَّةِ والأَدلَّةِ الصَّحيحَةِ ما ليسَ عندَ كثيرٍ منَ الطوائفِ الكلاميَّةِ.
ولهذا قالَ إنَّهم يُعَدُّونَ من أَهلِ السُّنَّةِ والجماعة عندَ المقارنَةِ بالمعتزلَةِ والرَّافضَةِ، بل قدْ يكونونَ هم أَهلَ السُّنَّةِ في البلادِ الَّتي تسودُ فيها تلكَ البدَع. ومعَ ذلكَ انتقدَ الأُصولَ الكلاميَّةَ الَّتي وافقوا فيها الجهميَّةَ والمعتزلَةَ.
وهذا من أَدقِّ موازينِهِ؛ فهو لم يسوِّ بينَ الأَشاعرَةِ والمعتزلَةِ، ولم يجعلِ الأَشاعرَةَ ممثِّلينَ للسُّنَّةِ المحضَةِ في جميعِ الأَبوابِ.
فهم عندَهُ أَقربُ إلى أَهلِ السُّنَّةِ منَ المعتزلَةِ والجهميَّةِ والفلاسفَةِ، ويُدخلونَ في الدائرَةِ السُّنِّيَّةِ العامَّة عندَ بعضِ المقارنات؛ لكنَّهم خالفوا طريقةَ السَّلفِ وأَهلِ الحديثِ في جملَةٍ من مسائلِ الصِّفاتِ والكلامِ والإيمانِ والقدْرِ ومنهجِ الاستدلالِ.
لم يجعلِ الأَشاعرَةَ طبقَةً واحدَةً:
فرَّقَ شيخُ الإسلامِ بينَ أَبي الحسنِ الأَشعريِّ نفسِهِ، وبينَ متقدِّمي أَصحابِهِ ومتأَخِّريهم، ورأَى أَنَّ أَبا الحسنِ بعدَ مفارقتِهِ المعتزلةَ اقتربَ من طريقَةِ أَهلِ الحديثِ والإمامِ أَحمد، وأَنَّ بعضَ المتأَخِّرينَ أَدخلوا في المذهبِ من أُصولِ الفلسفَةِ والكلامِ ما زادَهُ بُعدًا عن طريقةِ السَّلفِ.
وقد ذكرَ أَنَّ الأَشعريَّ كانَ من أَجلِّ المتكلِّمينَ المنتسبينَ إلى الإمامِ أَحمدَ والمنتصرينَ لطريقِهِ، وأَنَّهُ كانَ أَقربَ إلى أُصولِ أَحمدَ من بعضِ المنتسبينَ إلى المذهبِ الحنبليِّ ممَّن تأثَّرَ بعلمِ الكلام.
وهذا يدلُّ على أَنَّ ابنَ تيميَّة لم يكنْ يحكمُ بالأَسماءِ المجرَّدَةِ؛ فلا يجعلُ كلَّ حنبليٍّ أَقربَ إلى السُّنَّةِ من كلِّ أَشعري، بل ينظرُ في حقيقَةِ القولِ ومدى قربِهِ من الكتابِ والسُّنَّةِ وآثارِ السَّلفِ.
نقدُهُ للأَشاعرَةِ كانَ نقدًا أُصوليًّا:
ردَّ ابنُ تيميَّة على الأَشاعرَةِ في مسائلَ عقديَّةٍ ومنهجيَّةٍ، ومن أَبرزِها:
- اعتمادُ بعضِهم على دليلِ الأَعراضِ وحدوثِ الأَجسام.
- تقديمُ قواعدَ كلاميَّةٍ محدثةٍ عندَ توهُّمِ التعارضِ بينها وبينَ ظواهرِ النُّصوصِ.
- تأويلُ جملةٍ منَ الصِّفاتِ الإلهيَّة، أَو تفويضُ معانيها.
- قولُهم في الكلامِ النفسيِّ وما ترتَّبَ عليهِ في حقيقَةِ القرآنِ.
- تعريفُ كثيرٍ منهم للإيمانِ بما لا يُدخلُ الأَعمالَ في حقيقتِهِ.
- بعضُ أَقوالِهم في القدرَةِ والكسبِ والحكمةِ والتعليل.
فلم يكنْ خلافُهُ معهم خلافًا لفظيًّا كلُّهُ، ولا كانَ من مسائلِ الفروعِ اليسيرَةِ؛ بل رأَى أَنَّ عندَهم أَخطاءً حقيقيَّةً في أَبوابٍ من أُصولِ الاعتقادِ.
ومعَ ذلكَ لم يجعلْ خطأَهم في هذهِ الأَبوابِ موجبًا لتكفيرِ أَعيانِهم، ولم يُنكرْ ما لهم من خدماتٍ في ردِّ الإلحادِ والفلسفةِ والاعتزال.
اعترافُهُ بحسناتِ أَئمَّتِهم:
ذكرَ ابنُ تيميَّةَ جماعةً من أَئمَّةِ الأَشاعرةِ كالباقلَّانيِّ والجوينيِّ والغزاليِّ والرَّازي، وبيَّنَ أَنَّ لهم في الإسلامِ جهودًا مشكورَةً، وحسناتٍ في الردِّ على أَهلِ الإلحادِ والبدَعِ، والانتصارِ لكثيرٍ من مسائلِ السُّنَّة.
ثمَّ بيَّنَ أَنَّهم لمَّا تبنَّوا بعضَ الأُصولِ المأخوذَةِ منَ المعتزلة لزمتْهم أَقوالٌ أَنكرَها عليهم أَهلُ العلمِ والدِّين؛ فصارَ بعضُ الناسِ يعظِّمُهم لمحاسنِهم، وبعضُهم يذمُّهم لما وقعوا فيه منَ البدع، ثمَّ قرَّرَ ميزانَهُ الجامع: «وخيارُ الأُمورِ أَوسطُها».
فلم يكنْ إنصافُهُ لهم سكوتًا عن أخطائِهم، ولم يكنْ ردُّهُ عليهم جحدًا لحسناتِهم؛ بل أَعطى كلَّ جانبٍ حقَّه.
ثانيًا- موقفُهُ منَ المعتزلَةِ:
كانَ موقفُهُ منَ المعتزلةِ أَشدَّ من موقفِهِ منَ الأَشاعرَةِ؛ لأَنَّ المعتزلةَ أَبعدُ عن طريقةِ أَهلِ الحديث، وقد أَصلوا أُصولًا خالفوا بها السَّلفَ في أَبوابٍ كبرى، ومنها:
- نفيُ صفاتِ اللهِ أَو ردُّ كثيرٍ منها إلى الذَّاتِ.
- القولُ بخلقِ القرآن.
- نفيُ رؤيةِ اللهِ تعالى في الآخرَةِ.
- القولُ بأَنَّ العبدَ يخلقُ فعلَ نفسِهِ.
- إنفاذُ الوعيدِ وتخليدُ صاحبِ الكبيرَةِ في النَّارِ.
- القولُ بالمنزلةِ بينَ المنزلتين.
- بناءُ العقيدةِ على أُصولٍ كلاميَّةٍ محدثَةٍ.
ومعَ شدَّةِ نقدِهِ لهذهِ الأُصولِ؛ لم يكنْ يظلمُ كلَّ معتزليٍّ أَو ينفي عنهُ كلَّ علمٍ وفضل؛ فقد أَثنى على عبدِ الرحمنِ الأصمِّ - معَ كونِهِ من رؤوسِ المعتزلَةِ - فوصفَهُ بأَنَّهُ من فضلاءِ الناسِ وعلمائِهم، ومن أَذكيائِهم وأَحدِّهم ذهنًا.
وهذا يدلُّ على أَنَّهُ كانَ يفرِّقُ بينَ فسادِ الأَصلِ العقدي، وبينَ ما قد يكونُ عندَ صاحبهِ من ذكاءٍ أَو علمٍ أَو صوابٍ في بعضِ المسائِلِ.
فالأَشاعرَةُ والمعتزلَةُ لم يكونوا عندَهُ في مرتبةٍ واحدَةٍ، كما أَنَّ أَفرادَ كلِّ طائفَةٍ لم يكونوا سواءً في العلمِ والقصدِ والبدعَةِ والقرَبِ منَ السُّنَّةِ.
ثالثًا- أُصولُ منهجِهِ في التعاملِ معَ المخالف:
١- الكلامُ في النَّاسِ بعلْمٍ وعدْلٍ:
كانَ من قواعدِهِ الكبرى أَنَّ الكلامَ في الطوائفِ والأَشخاصِ يجبُ أَن يكونَ بعلمٍ وعدْلٍ، لا بجهلٍ وظلمٍ:
- فالعلمُ يمنعُ منَ الكذبِ وسوءِ الفهمِ ونسبةِ الأَقوالِ إلى مَن لم يقلْها.
- والعدْلُ يمنعُ من جحدِ الحسناتِ والمبالغَةِ في الأَخطاءِ وتحميلِ القائلِ ما لا يحتملُهُ كلامُهُ.
ولهذا لم يكنْ يقبلُ أَن يُردَّ الباطلُ بباطلٍ، أَو البدعَةُ ببدعَةٍ، أَو الظُّلمُ بظلمٍ؛ فإنَّ الانتصارَ للسُّنَّةِ لا يكونُ بمخالفةِ أَخلاقِ السُّنَّةِ.
٢- التفريقُ بينَ المقالةِ وقائلِها:
قد تكونُ المقالَةُ كفرًا أَو بدعةً أَو ضلالًا في ذاتِها، ولا يلزمُ من ذلكَ أَن يكونَ كلُّ مَن قالَ بها كافرًا أَو فاسقًا أَو آثمًا؛ فقد يقولُها جاهلٌ َأو متأوِّلٌ أَو مقلِّدٌ، أَو يخفى عليهِ الدليلُ، أَو لا تبلغهُ الحجَّةُ على وجهِها.
وكانَ ابنُ تيميَّة يقرِّر أَنَّهُ من أَعظمِ الناسِ نهيًا عن نسبةِ المعيَّنِ إلى الكفرِ أَو الفسقِ أَو المعصيةِ حتى تقومَ عليهِ الحجَّةُ الرساليَّة.
وهذا لا يعني أَنَّهُ لا يحكمُ على الأَقوالِ الباطلَةِ، وإنَّما يعني أَنَّ تنزيلَ الحكمِ على المعيَّنِ بابٌ آخرُ لهُ شروطُهُ وموانعُهُ.
-٣ عدمُ مقابلةِ التكفيرِ بالتكفيرِ:
قرَّرَ رحمه الله أَنَّ أَهلَ العلمِ والسُّنَّةِ لا يكفِّرونَ مَن خالفَهم لمجرَّدِ أَنَّهُ كفَّرَهم؛ لأَنَّ التكفيرَ حكمٌ شرعيٌّ وحقٌّ لله، وليسَ عقوبةً شخصيَّةً يُقابلُ بها الاعتداءُ بالمثل.
فكما لا يجوزُ للإنسانِ أَن يكذبَ على مَن كذبَ عليهِ، لا يجوزُ أَن يكفِّرَ مَن كفَّرَهُ بغيرِ حقٍّ؛ بل لا يُكفَّرُ إلَّا مَن دلَّ الكتابُ والسُّنَّةُ على كفرِهِ، بعدَ استيفاءِ الضوابطِ الشرعيَّة.
-٤ التفريقُ بينَ مسائلِ الاجتهادِ وأُصولِ الاعتقاد:
كانَ رحمه الله يرى أَنَّ المسائلَ الاجتهاديَّةَ الَّتي ليسَ فيها نصٌّ صريحٌ ولا إجماعٌ لا يُنكرُ فيها على المجتهدِ أَو المقلِّدِ إنكارَ تبديعٍ وتفسيقٍ.
أَمَّا الأَقوالُ المخالفَةُ للنصوصِ والإجماعِ وأُصولِ الاعتقادِ؛ فكانَ يردُّها ويبيِّنُ فسادَها؛ لكنَّهُ يفرِّقُ في الحكمِ على أَصحابِها بحسبِ العلمِ والقصدِ والتأْويلِ وقيامِ الحجَّةِ.
فالاجتماعُ عندَهُ لا يعني تركَ البيان، والإنكارُ لا يعني تمزيقَ الأُخوَّةِ الإيمانيَّة أَو استحلالَ الظُّلمِ.
-٥ مراعاةُ درجاتِ الطوائفِ والأَشخاص:
لم يكنْ يضعُ المخالفينَ جميعًا في سلَّةٍ واحدَةٍ؛ بل كانَ يرتِّبُ الطوائفَ بحسبِ قربِها منَ السُّنَّةِ وبُعدِها عنها.
فالأَشاعرَةُ عندَهُ أَقربُ إلى السُّنَّةِ منَ المعتزلَةِ، والمعتزلَةُ أَقربُ منَ الفلاسفَةِ المحضةِ والباطنيَّةِ، وأَفرادُ كلِّ طائفةٍ يختلفونَ بحسبِ علمِهم وقصدِهم ومقدارِ موافقتِهم للحقِّ.
ومن هنا؛ كانَ الحكمُ عندَهُ نسبيًّا من بعضِ الجهاتِ، معَ بقاءِ الحقِّ في نفسِهِ واحدًا لا يتعدَّد.
-٦ الاعترافُ بما عندَ المخالفِ من حقِّ:
لم يكنْ ابنُ تيميَّة يردُّ كلَّ ما جاءَ بهِ المخالفِ؛ بل يقبلُ الحقَّ ممَّن جاءَ به، ويردُّ الباطلَ ولو قالَهُ مَن يحبُّه.
فقد أَثنى على ذكاءِ بعضِ المعتزلَةِ، وعلى ردودِ الأَشاعرَةِ على الفلاسفَةِ والملاحدَةِ، وعلى ما في كتبِ الغزاليِّ من كلامٍ نافعٍ في أَعمالِ القلوب، معَ بيانِ ما فيها من موادَّ فلسفيَّةٍ وأَحاديثَ ضعيفةٍ وأَخطاءٍ.
وهذا هو الإنصافُ الحقيقي: أَلَّا يجعلَ الإنسانُ مخالفتَهُ لشخصٍ مانعةً من رؤيةِ صوابِهِ، ولا إعجابَهُ به مانعًا من رؤيةِ خطئِهِ.
-٧ السعيُ إلى جمعِ القلوبِ على الحقِّ:
ذكرَ ابنُ تيميَّة أَنَّ بينَ الحنابلةِ والأَشاعرَةِ في عصرِهِ وحشةً ومنافرَةً، وأَنَّهُ كانَ من أَعظمِ الناسِ سعيًا في تأْليفِ قلوبِ المسلمينَ وإزالًةِ تلكَ الوحشَةِ.
لكنَّهُ لم يكنْ يريدُ جمعَهم على عقيدَةٍ ملفَّقةٍ أَو مساومةٍ علميَّة؛ بل كانَ يسعى إلى جمعِهم على ما ثبتَ عن سلفِ الأُمَّةِ، وإزالةِ ما نشأَ بينهم من تعصُّبٍ وسوءِ فهمٍ وبغي.
فالجمعُ المحمودُ عندَهُ هو الاجتماعُ على الحقِّ والعدْلِ، لا جمعُ المتناقضاتِ ولا السُّكوتُ عنِ الأُصولِ الباطلَةِ.
-٨ العفوُ عنِ المخالفِ وعدمُ الانتقامِ للنَّفسِ:
كانَتْ أَخلاقُهُ العمليَّةُ شاهدًا على منهجِهِ العلمي؛ فقد آذاهُ خصومُهُ، وسعوا في سجنِهِ ومنعِهِ منَ التدريسِ والإفتاءِ، واتُّهمَ وكُفِّرَ وحُرِّضَ عليهِ، ومعَ ذلكَ لمَّا تمكَّنَ من بعضِهم عفا وصفح.
ولمَّا أَرادَ السلطانُ أَن ينتقمَ من القضاةِ الَّذينَ سعوا في أَذيَّتِهِ، أَخذَ ابنُ تيميَّة في تعظيمِ مكانتِهم وبيانِ حاجةِ المسلمينَ إليهم، وقالَ بمعنى كلامِهِ:) مَن آذاني فهو في حِلٍّ، وأَنا لا أَنتصرُ لنفسي).
حتَّى قالَ القاضي ابنُ مخلوف، وكانَ من خصومِهِ :ما رأَينا مثلَ ابنِ تيميَّة؛ حرَّضنا عليهِ فلم نقدرْ عليهِ، وقدرَ علينا فصفحَ عنَّا ودافعَ عنَّا.
وهذا من أَعظمِ الشواهدِ على أَنَّ شدَّتَهُ في الردودِ لم تكنْ ناشئةً عن حظوظِ النفس، وإنَّما كانتْ - فيما نحسبُهُ - غيرةً على الحق؛ فإذا تعلَّقَ الأمرُ بحقِّهِ الشخصيِّ عفا وصفح.
رابعًا- هل كانَ خطابُهُ ليِّنًا دائمًا؟
لم يكنْ ابنُ تيميَّة رحمه الله يستعملُ أُسلوبًا واحدًا معَ جميعِ المخالفين.
فالأَصلُ عندَهُ الدعوةُ بالحكمةِ، والمجادلةُ بالَّتي هي أَحسن، والعدلُ والرفق؛ لكنَّهُ قد يغلظُ في بعضِ المواضعِ على مَن رآهُ متعمِّدًا للبغيِ أَو التلبيسِ أَو الطعنِ في الكتابِ والسُّنَّة.
وقد بيَّنَ أَنَّ لينَ الخطابِ هو الأَصل، ولكنَّ لكلِّ مقامٍ مقالًا، وأَنَّ الرِّفقَ لا يعني تركَ الحزمِ حيثُ يحتاجُ المقامُ إليه.
ولهذا لا يصحُّ أَن تُجمعَ عباراتُهُ الشديدةُ ثمَّ يُحكمَ منها بأَنَّهُ كانَ إقصائيًّا، كما لا يصحُّ جمعُ عباراتِ إنصافِهِ وعفوِهِ ثمَّ الادِّعاءُ بأَنَّهُ كانَ يرى الخلافَ العقديَّ كلَّهُ سائغًا.
والواجبُ فهمُ كلِّ عبارةٍ بحسبِ موضوعِها ومخاطَبِها وسياقِها.
خامسًا- خلاصةُ موقفِهِ منَ الأَشاعرَةِ والمعتزلَةِ:
يمكنُ تلخيصُ موقفِ شيخِ الإسلامِ في القواعدِ الآتية:
الأَشاعرَةُ ليسوا عندَهُ في مرتبةِ المعتزلَةِ؛ بل هم أَقربُ طوائفِ المتكلِّمينَ إلى أَهلِ السُّنَّةِ والحديثِ.
يُعَدُّ الأَشاعرةُ منَ الدائرَةِ السُّنِّيَّةِ العامَّة عندَ المقابلةِ بالرَّافضةِ والمعتزلَةِ، لكنَّهم لا يمثِّلونَ السُّنَّةَ المحضة في المسائلِ الَّتي خالفوا فيها السَّلفِ.
المعتزلةُ أَبعدُ عن منهجِ السَّلفِ؛ لما أَصلوهُ من نفيِ الصِّفاتِ والقولِ بخلقِ القرآنِ والقدَرِ والمنزلَةِ بينَ المنزلتين وإنفاذِ الوعيدِ.
ليسَ جميعُ الأَشاعرةِ سواء، ولا جميعُ المعتزلةِ سواء؛ بل تختلفُ أَحكامُ الأَفرادِ باختلافِ العلمِ والقصدِ والاجتهادِ والتأويل.
المقالةُ الباطلةُ تُردُّ وتُبيَّن، لكنَّ الحكمَ على قائلِها المعيَّنِ يحتاجُ إلى قيامِ الحجَّةِ وانتفاءِ الموانع.
لا يمنعُ الخطأُ العقديُّ منَ الاعترافِ بما للعالِمِ من علمٍ وفضلٍ وخدمةٍ للإسلامِ.
لا يجوزُ مقابلةُ المخالفِ بالظلمِ أَو البهتانِ أو التكفيرِ بغيرِ حقٍّ.
المطلوبُ جمعُ كلمةِ المسلمينَ على الحق، لا جمعُهم على المجاملةِ أَو التنازلِ عن أُصولِ الاعتقادِ.
الخلاصَةُ المنهجيَّةُ:
إنَّ موقفَ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَّةَ منَ المخالفين، ومنَ الأَشاعرَةِ والمعتزلَةِ خاصَّةً؛ لم يكنْ موقفَ مَن يذيبُ الفروقَ بينَ الحقِّ والباطل، ولا موقفَ مَن يُسقطُ حرمةَ المسلمِ وفضلَهُ بسببِ خطئِهِ.
كانَ قويًّا في ردِّ المقالات، رحيمًا بكثيرٍ من أَصحابِها؛ يزنُ الأَقوالَ بالكتابِ والسُّنَّةِ، ويزنُ الأَشخاصَ بالعلمِ والعدْلِ والإنصافِ.
فلم تمنعْهُ شدَّةُ مخالفتِهِ للأشاعرةِ من الاعترافِ بقربِهم منَ السُّنَّة بالنسبةِ إلى غيرِهم، ولا من الثناءِ على ما لهم من جهودٍ في خدمةِ الإسلامِ.
ولم تمنعْهُ شدَّةُ ردِّهِ على المعتزلةِ من الاعترافِ بذكاءِ بعضِ أَئمَّتِهم وعلمِهم وصوابِهم في بعضِ الأَبواب.
ولم تحملْهُ إساءَةُ خصومِهِ وتكفيرُهم له وسعيُهم في سجنِهِ على أَن يكفِّرَهم بغيرِ حقٍّ، أَو ينتقمَ منهم حينَ قدرَ عليهم.
وهكذا يكونُ العالمُ الربَّانيُّ: لا يجاملُ في الحقِّ، ولا يظلمُ الخلق؛ يردُّ الخطأ، ويحفظُ للمسلمِ حرمتَهُ، ويعرفُ للعالِمِ فضلَهُ، ويميِّزُ بينَ البدعَةِ وصاحبِها، وبينَ الحكمِ المطلقِ والحكمِ على المعيَّن.
فمَن َأرادَ الاقتداءَ بابنِ تيميَّة؛ فلا يكفيهِ أَن يحفظَ عباراتِهِ الشديدةَ في الردِّ على المخالفين، ثمَّ يتركَ عدلَهُ وإنصافَهُ ورحمتَهُ وعفوَهُ عنهم.
ولا يكفيهِ أَن يتحدَّثَ عن عفوِهِ وسعةِ صدرِهِ، ثمَّ يتجاهلَ قيامَهُ ببيانِ السُّنَّةِ وردِّ البدع.
بل يكونُ مثلهُ بحقٍّ حينَ يجمعُ ما جمعَهُ شيخُ الإسلام:
علمًا بلا تعصُّب، وقوَّةً بلا ظلمٍ، وإنصافًا بلا تمييعٍ، ورحمةً بلا مداهنةٍ، واجتماعًا على الحقِّ لا على حسابِ الحقِّ.
حمَ اللهُ شيخَ الإسلامِ ابنَ تيميَّةَ رحمةً واسعة، وجزاهُ عنِ الإسلامِ والمسلمينَ خيرَ الجزاء، ورزقَنا العلمَ النافع، والعدلَ معَ الموافقِ والمخالف، والتمسُّكَ بالكتابِ والسُّنَّةِ على فهمِ السَّلفِ الصالح، إنَّهُ سميعٌ قريب.
وصلَّى› اللهُ وسلَّمَ وباركَ على› نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى› آلِهِ وصحبِهِ أَجمعينَ.
والحمدُ $ِ الَّذي بنعمتِهِ تتمُّ الصَّالحاتُ.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.
٢٠ صفر ١٤٤٨هــ

