• سَبيكةٌ منهجيَّةٌ في فسادِ التَّنزيلِ وخيانَةِ أَمانَةِ العلْمِ: قدْ يكونُ النَّصُّ صحيحًا، ثمَّ يُحرَّفُ تنزيلُهُ؛ حتَّى يصبِحَ سلاحًا في يدِ الظَّالمِ؛ فصحَّةُ الدَّليلِ لا تُغني عن صحَّةِ فهمِهِ، وتحقيقِ مناطِهِ، ووضعِهِ في موضعِهِ.
أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!
اعلمْ - بصَّرني اللهُ وإيَّاكَ بمواقعِ الحقِّ - أَنَّ مِن أَشَدِّ صُورِ خيانَةِ أَمانَةِ العلْمِ أَن يُستعمَلَ النَّصُّ الشَّرعيُّ لتثبيتِ سلطانِ المحتَلِّ، وأَن يُلبَسَ الخضوعُ لهُ لباسَ الطَّاعَةِ، ويُوصَفَ مَن يدفِعُ عدوانَهُ بالخروجِ والعصيانِ؛ فتُنقَلَ أَحكامُ الإمامَةِ والبغي مِن مواضعِها، لتصبِحَ سلاحًا في يدِ المستعمِرِ على مَن يقاومُهُ!
وقدْ شهِدَ تاريخُ الاحْتلالِ الإيطاليِّ لليبيا صُورَةً صارخَةً مِن هذا التَّحريفِ؛ إذ نقلَتْ مصادِرُ تاريخيَّةٌ أَنَّ قاضيَ قضاةِ طرابلس: أَعلَنَ أَنَّ عمرَ المختارِ ومَن معهُ مِنَ الخوارجِ، وعَدَّ الجيشَ الإيطاليَّ المحتلَّ في حُكمِ «الإمامِ المتغلِّبِ» الذي تجبُ طاعتُهُ! وأَيَّدَهُ في ذلكَ عدَدٌ مِنَ المنتسبينَ إلى العلْمِ والمشيخَةِ!!
وفي السِّياقِ نفسِهِ: نشرتْ صحيفةُ «بريد برقة» المواليةُ للإدارَةِ الاستعماريَّةِ، في عددِها الصادرِ في سبتمبر سنةَ (١٩٣١م) خبرَ اعتقالِ شيخِ المجاهدينَ تحتَ عنوانٍ صريحٍ:
«القبضُ على عمرَ المختارِ زعيمِ العصاةِ في برقة».
فمَن كانَ يقاومُ قوَّةً أَجنبيَّةً احتلَّتْ بلادَهُ، وقتلَتْ أَهلَهُ، وهجَّرتْ شعبَهُ؛ جعلتْهُ دعايَةُ الاحتلالِ «زعيمَ العصاةِ» ثمَّ جاءَ مَن يستعيرُ أَلفاظَ الشَّريعَةِ ليجعلَهُ «خارجيًّا» ويمنحَ المحتلَّ صفَةَ «الإمامِ المتغلِّبِ»!
وهُنا العِبرةُ التي ينبغي أَلَّا تضيعَ: ليسَتْ كلُّ فتوًى تحمِلُ أَلفاظَ الشَّرعِ شرعيَّةً في حقيقتِها وتنزيلِها؛ فقدْ يكونُ أَصلُ النَّصِّ صحيحًا، ثمَّ يُنزَّلُ على غيرِ محلِّهِ، فيتحوَّلُ من هدايَةٍ إلى تلبيسٍ، ومِن ميزانٍ للعدْلِ إلى أَداةٍ لخدمَةِ القوَّةِ.
فأَحكامُ الإمامِ المتغلِّبِ عالجَها الفقهاءُ في سياقِ السُّلطانِ القائمِ داخِلَ جماعةِ المسلمينَ، وما يتعلَّقُ بحفْظِ الجماعَةِ وحقنِ الدِّماءِ؛ ولا يجوزُ اقتطاعُها مِن سياقِها، وتنزيلُها على جيشٍ أَجنبيٍّ مُعتَدٍ احتَلَّ البلادَ بقوَّةِ السِّلاحِ.
• فالاحتلالُ لا يصبحُ إمامَةً شرعيَّةً بمجرَّدِ الغلبَةِ، والمقاومَةُ لا تصبحُ خروجًا لمجرَّدِ أَنَّ المحتلَّ سمَّاها عصيانًا، والباطلُ لا يصيرُ حقًّا لأَنَّ عالِمًا أَلبسَه أَلفاظَ الفقهِ.
ولا يعني ذلكَ أَنَّ كلَّ وسيلَةٍ تُرفعُ باسمِ المقاومَةِ صحيحَةٌ؛ فدفعُ المحتلِّ مشروعٌ في أَصلِهِ، لكنَّ الوسائِلَ تُوزَنُ بالشَّريعَةِ، وتُراعى فيها القدرَةُ، والقيادَةُ، وحُرمَةُ الدِّماءِ، والمصالحُ والمفاسدُ، ومآلاتُ الأَفعالِ.
ففسادُ الاحتلالِ؛ لا يصحِّحُ كلَّ وسيلَةٍ لمقاومتِهِ. كما أَنَّ خطأَ بعضِ وسائِلِ المقاومَةِ؛ لا يمنَحُ الاحتلالَ شرعيَّةً.
قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢].
• فالقاعدَةُ: ليسَتِ العِبرَةُ بصحَّةِ النَّصِّ المستشهَدِ بهِ فحسَبُ؛ بلْ بصحَّةِ فهمِهِ، وتصويرِ الواقعَةِ، وتحقيقِ مناطِهِ، ووضعِهِ في موضعِهِ؛ فكم مِن نصٍّ صحيحٍ خدَمَ بهِ صاحبُ الهوى باطِلًا، وكم مِن فتوًى حملَتْ أَلفاظَ الشَّريعَةِ وكانَتْ حقيقتُها خيانَةً لمقاصدِها وعدلِها.
فالعالِمُ إمَّا أَن يجعَلَ علمَهُ حارسًا للحقِّ ونصيرًا للمظلومِ، وإمَّا أَن يُحوِّلَهُ - حينَ يبيعُهُ للقوَّةِ - إلى جسرٍ يعبرُ عليهِ الظَّالمونَ؛ ثمَّ يزولُ المحتَلُّ، وتسقطُ الفتوى، ويبقَى التَّاريخُ شاهدًا على مَن حفِظَ أَمانَةَ العلْمِ ومَن خانَها.
اللَّهُمَّ! ارزقْ علماءَ المسلمينَ علمًا نافعًا، وبصيرَةً بالواقعِ، وشجاعَةً في بيانِ الحقِّ، وورعًا عن القولِ عليكَ بغيرِ علْمٍ؛ واحفظْهم مِن فتنَةِ السُّلطانِ والهوى، ولا تجعلْ علمَهم مطيَّةً لظالمٍ، ولا صمتَهم خِذلانًا لمظلومٍ.. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

