• سَبيكةٌ علميَّةٌ: مَن جَمَدَ على دليلٍ جزئيٍّ دونَ جمعِ نظائرِهِ وفقهِ مقصدِهِ أَخطأَ الفهمَ والتَّنزيلَ، ومَن ادَّعى مقصدًا يَعطُلُ بهِ نصًّا أَو يُغيِّرُ بهِ حُكمًا أَخطأَ التَّأْصيلَ والاستدلالَ؛ والفقهُ الرَّاشدُ؛ يجمعُ بينَ صِحَّةِ الدَّليلِ، وفَهمِ المقصدِ، وتحقيقِ المناطِ، والنَّظرِ في المآلِ.
أَخيَ طالبَ العلمِ اللَّبيبَ!
اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ لفقهِ شريعتِه وحُسنِ تنزيلِها - أَنَّ مقاصدَ الشَّريعَةِ هي الغاياتُ والحِكَمُ والمعاني والمصالحُ التي دلَّتْ نصوصُ الشَّرعِ واستقراءُ أَحكامِهِ على قصدِ الشَّارعِ إلى تحقيقِها أَو رعايتِها؛ في عمومِ التَّشريعِ، أَو في بابٍ أَو حُكمٍ مخصوصٍ.
وفي مقدِّمةِ هذِهِ المقاصدِ: تحقيقُ العبوديَّةِ للهِ تعالى، وإقامةُ العدلِ والرَّحمةِ، وجلبُ المصالحِ ودرءُ المفاسدِ، وحفظُ ضروريَّاتِ النَّاسِ في دينِهم ونفوسِهم وعقولِهم وأَنسابِهم وأَعراضِهم وأَموالِهم، معَ رفعِ الحرجِ، وصلاحِ الفردِ والمجتمعِ.
ومقاصدُ الشَّريعَةِ ليستْ في مرتبةٍ واحدَةٍ؛ فمنها الضَّروريُّ الذي لا تستقيمُ حياةُ الدِّينِ والدُّنيا بفواتِه، ومنها الحاجيُّ الذي يرفعُ المشقَّةَ والضِّيقَ، ومنها التَّحسينيُّ الذي يُكمِّلُ مكارمَ الأَخلاقِ وجمالَ النِّظامِ والسُّلوكِ. كما أَنَّ منها ما هو قطعيٌّ ثابتٌ بالاستقراءِ العامِّ، ومنها ما هو ظنِّيٌّ أَو خاصٌّ ببابٍ أَو حُكمٍ.
ولا تُثبَتُ المقاصدُ بمجرَّدِ الاستحسانِ العقليِّ، أَو الرَّغبةِ الشَّخصيَّةِ، أَو ضغطِ الواقعِ؛ وإنَّما تُعرَفُ مِن النُّصوصِ الصَّريحةِ، واستقراءِ الأَحكامِ، والعِلَلِ المعتبرةِ، والقواعدِ الكُلِّيَّةِ، ومناهجِ أَهلِ الاجتهادِ.
فليسَتْ كلُّ منفعةٍ يتصوَّرُها الإنسانُ مصلحةً شرعيَّةً، ولا كلُّ حِكمةٍ محتملةٍ مقصدًا ثابتًا، ولا يجوزُ تحويلُ الحِكمةِ المظنونةِ إلى عِلَّةٍ منضبطةٍ، أَو إسقاطُ الحُكمِ لمجرَّدِ توهُّمِ فواتِ مقصدِه؛ بل لا بُدَّ مِن دليلٍ، وتحقيقٍ، وموازنةٍ بينَ مراتبِ المصالحِ والمفاسدِ.
والمقاصدُ ليستْ بابًا منفصلًا عن النُّصوصِ، ولا سلطةً حاكمةً على الوحيِ، ولا طريقًا لتعطيلِ الأَحكامِ باسمِ «المصلحةِ»؛ بل هي معانٍ مستنبطةٌ مِن مجموعِ أَدلَّةِ الشَّريعةِ، تُعينُ على فَهمِها، والجمعِ بينها، وترتيبِ أَحكامِها، وحُسنِ تنزيلِها.
ولهذا لا يقتصرُ الفقيهُ المقاصديُّ على سؤَالِ: ما الحُكمُ؟ بل يسأَلُ كذلكَ:
ما دليلُهُ؟ وما مرتبتُهُ ووجهُ دلالتِهِ؟ وما عِلَّتُهُ ومقصدُهُ؟ وما صورَةُ الواقعَةِ؟ وهل تحقَّقَ مناطُ الحُكمِ فيها؟ وما شروطُ تنزيلِهِ وموانعُهُ؟ وما المصالحُ والمفاسدُ المتوقَّعةُ؟ وما مآلُ تطبيقِهِ؟
وهُنا يظهرُ الفرقُ بينَ التَّأْصيلِ والتَّنزيلِ:
فـ*التَّأْصيلُ*: إثباتُ الحُكمِ مِن دليلِهِ، وفَهمُ وجهِ دلالتِهِ، ومعرفةُ عِلَّتِه ومقصدِهِ ومرتبتِهِ، وردُّ الجزئيَّاتِ إلى قواعدِها الكُلِّيَّةِ.
وأَمَّا التَّنزيلُ: فتصوُّرُ الواقعةِ تصوُّرًا صحيحًا، وتكييفُها، وتحقيقُ مناطِ الحُكمِ فيها، واستيفاءُ الشُّروطِ وانتفاءُ الموانعِ، والاستعانةُ بأَهلِ الاختصاصِ، ومراعاةُ القدرةِ والأَولويَّاتِ والمصالحِ والمفاسدِ والمآلاتِ المعتبرةِ.
والتَّنزيلُ الصَّحيحُ لا يُغيِّرُ حُكمَ اللهِ، وإنَّما يُحدِّدُ موضعَ انطباقِهِ، ومقدارَ الواجبِ منهُ، والطَّريقةَ المشروعةَ لأَدائِهِ؛ مِن غيرِ تبديلٍ للثَّوابتِ، ولا تحريمٍ لحلالٍ، ولا تحليلٍ لحرامٍ.
والانحرافُ في هذا البابِ يقعُ مِن طريقينِ متقابلينِ:
أَحدُهما: الجمودُ على فَهمٍ جزئيٍّ للنَّصِّ، معَ إغفالِ سائرِ النُّصوصِ، ومقاصدِ التَّشريعِ، وشروطِ التَّنزيلِ ومآلاتِهِ؛ فيكونُ الحُكمُ صحيحًا في أَصلِهِ، ويكونُ تنزيلُهُ على الواقعةِ خاطئًا.
والثَّاني: الانفلاتُ بدعوى المقاصدِ والمصالحِ، حتى تُجعَلَ الأَهواءُ والأَعرافُ المتغيِّرةُ حاكمةً على الوحي، وتُبدَّلَ الأَحكامُ القطعيَّةُ باسمِ التَّجديدِ ومراعاةِ الواقعِ.
وكِلا الطريقينِ خللٌ؛ لأَنَّ المقصدَ الشَّرعيَّ الصَّحيحَ لا يناقضُ نصًّا صحيحًا صريحًا؛ فكلاهما مِن عندِ اللهِ، وإنَّما يقعُ التعارضُ المتوهَّمُ مِن خطإٍ في فَهمِ النَّصِّ، أَو دعوى مقصدٍ لم يثبتْ، أَو خللٍ في تنزيلِ أَحدِهما على الواقعةِ.
فالقاعدَةُ: المقاصدُ لا تُنشئُ شريعةً جديدةً، وإنَّما تكشفُ حِكمةَ الشَّريعةِ القائمةِ وتُحسنُ فَهمَها وتنزيلَها؛ فلا مقاصدَ معتبرةً بلا أَدلَّةٍ وأُصُولٍ، ولا تنزيلَ رشيدًا بلا تصوُّرٍ وتحقيقِ مناطٍ وفقهِ مآلٍ.
فدعوى المقاصدِ بلا استقراءٍ معتبرٍ بابٌ إلى الهوى، وقراءةُ النُّصوصِ مجتزأَةً عن مجموعِها ومقاصدِها بابٌ إلى سوءِ الفهمِ؛ وكمالُ الفقهِ في الجمعِ بينَ صِحَّةِ التَّأْصيلِ، ودقَّةِ التَّصوُّرِ، وحِكمةِ التَّنزيلِ.
اللَّهُمَّ! ارزقْنا فقهًا راسخًا في دينِكَ، وبصيرةً بمقاصدِ شريعتِكَ، وفَهمًا صحيحًا لنصوصِكَ، وحِكمةً في تنزيلِ أَحكامِكَ؛ وجنِّبْنا جمودَ الغالينَ وانفلاتَ المفرِّطينَ، واجعلْنا مِن أَهلِ العلمِ والعدْلِ والرَّحمةِ؛ الذينَ يحفظونَ حدودَكَ، ويُحقِّقونَ مقاصدَ شرعِكَ على الوجهِ الذي يُرضيكَ.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

