أخي المُسلم اللَّبيب!
اعلمْ - رزقني اللهُ وإيَّاكَ صِدْقَ محبَّتِهِ - أَنَّ محبَّةَ اللهِ مِن أَجَلِّ عباداتِ القلوبِ وأَعظَمِ أُصُولِ العبوديَّةِ؛ فليسَتْ دعوَى باللِّسانِ، ولا عاطفَةً عابرَةً، بلْ عبادَةٌ قلبيَّةٌ تنشَأُ عن معرفَةِ اللهِ وأَسمائِهِ وصفاتِهِ ونِعَمِهِ، وتظهَرُ آثارُها في الاتِّباعِ والطَّاعَةِ والتَّعظيمِ والإنابَةِ والتَّسليمِ.
قالَ اللهُ تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].
فالآيَةُ ترِدُّ دعوَى المحبَّةِ إلى برهانِها: فاتِّباعُ الرَّسُولِ ﷺ دليلٌ على صِدْقِ محبَّةِ العبدِ لربِّهِ، وسبَبٌ لنَيْلِ محبَّةِ اللهِ ومغفرتِهِ.
ومِن أَماراتِ صِدْقِ المحبَّةِ وكمالِها: أَن تُقدِّمَ أَمرَ اللهِ على هوى نفسِكَ، وتُحبَّ ما يحبُّهُ، وتكرَهَ ما يكرهُهُ، وتأْنَسَ بذِكرِهِ، وتشتاقَ إلى طاعتِهِ، وتعودَ إليهِ بالتَّوبَةِ كلَّما زلَلْتَ.
ولا يعني صِدْقُ المحبَّةِ عصمَةَ صاحبِها مِنَ الذَّنْبِ؛ فقدْ يضعفُ المؤْمِنُ ويزِلُّ، ولكنَّ المحبَّ الصَّادِقَ لا يرضَى بمعصيتِهِ، ولا يستمرئُها، ولا يُقيمُ عليها مطمئِنًّا؛ بلْ يندَمُ ويستغفِرُ ويجاهِدُ نفسَهُ على الرُّجوعِ. والمعاصي تنقصُ محبَّةَ العبدِ لربِّهِ وإيمانَهُ بحسبِها، ولا يلزَمُ مِن وقوعِ الذَّنْبِ زوالُ أَصْلِ المحبَّةِ.
ولتقويَةِ محبَّتِكَ للهِ: تدبَّرْ كتابَهُ، وتعرَّفْ إليهِ مِن خلالِ أَسمائِهِ وصفاتِهِ، وتأَمَّلْ نِعَمَهُ الظَّاهرَةَ والباطنَةَ، وحافِظْ على الفرائِضِ، ثمَّ تقرَّبْ إليهِ بالنَّوافِلِ؛ ففي الحديثِ القُدْسيِّ: «وما يزالُ عبْدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحبَّهُ» رواه البخاريُّ.
وأَكثِرْ مِن ذِكرِهِ ودعائِهِ، وجاهِدْ نفسَكَ على تركِ ما يُسخِطُهُ، وصاحِبْ مَن يُذكِّرُكَ بهِ ويُعينُكَ على طاعتِهِ.
وتظهَرُ حقيقَةُ المحبَّةِ عندَ الامتحانِ: فإذا تعارَضَ الهوى والأَمرُ فأَيَّهما تُقدِّم؟ وإذا خلوتَ بالمحرَّمِ فمَن تُراقِب؟ وإذا زلَلْتَ فإلى مَن ترجع؟
فمحبَّةُ اللهِ ليسَتْ كلمَةً تُقالُ؛ بلْ عبادَةٌ في القلبِ، واتِّباعٌ في الظَّاهرِ، وإنابَةٌ عندَ الزَّللِ؛ وكلَّما ازدادَ العبدُ معرفَةً بربِّهِ، واتباعًا لرسولِهِ ﷺ وطاعَةً لأَمرِهِ؛ ازدادَتْ محبَّتُهُ رسوخًا، وظهرَتْ ثمراتُها في عبادتِهِ وخُلُقِهِ وسلوكِهِ.
اللَّهُمَّ! إنَّا نسأَلُكَ حبَّكَ، وحبَّ مَن يحبُّكَ، وحبَّ كلِّ عمَلٍ يقرِّبُنا إلى حبِّكَ؛ واجعَلْ حبَّكَ أَحبَّ إلينا مِن أَنفسِنا وأَهلِنا ومِنَ الماءِ الباردِ، وارزقْنا صِدْقَ الاتِّباعِ، ولذَّةَ الطَّاعَةِ، ودَوامَ الإنابَةِ، وحُسنَ لقائِكَ.. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

