التَّاريخُ أَمانَةٌ، والمستقبَلُ مسؤُوليَّةٌ:

أخي المُسلم اللَّبيب!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لفِقهِ التَّاريخِ وحُسنِ صناعَةِ المستقبَلِ - أَنَّ العربَ والأَتراكَ ركنانِ عظيمانِ مِن أَركانِ الأُمَّةِ؛ أَسْهما إسْهامًا كبيرًا في بناءِ حضارتِها وخدمَةِ دينِها، ومعهما سائِرُ شعوبِها ومكوِّناتِها المسلمَةِ؛ فالأُمَّةُ أَوسَعُ مِن قوميَّتَيْنِ، وأَغنى بتنوُّعِ أَبنائِها، وأَقوَى بتكامُلِ طاقاتِهم.

ولا يجوزُ أَن تتحوَّلَ الإشادَةُ بإسْهامِ شعبٍ إلى انْتِقاصِ غيرِهِ، ولا قراءَةُ التَّاريخِ إلى صراعٍ بينَ القوميَّاتِ؛ فقدْ جعَلَ اللهُ اخْتِلافَ الشُّعوبِ سبيلًا للتَّعارُفِ والتَّعاونِ، لا ذريعَةً للتَّعالي والتَّنازعِ، فقالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].

ولا ينهضُ مكوِّنٌ مِن مكوِّناتِ الأُمَّةِ بإضْعافِ غيرِهِ، ولا تستعيدُ أُمَّتُنا مكانتَها بالتَّنازعِ على أَمجادِ الماضي، أَو تحويلِ التَّاريخِ إلى ميدانٍ للمفاخرَةِ والتعصُّبِ؛ وإنَّما تنهضُ بالاجتماعِ على محكماتِ الإسلامِ، والعدْلِ بينَ شعوبِها، والتَّعاونِ على واجباتِ الحاضِرِ، وتكامُلِ الطَّاقاتِ في بناءِ المستقبَلِ.

والتَّاريخُ المشترَكُ ليسَ سجِلًّا للأَمجادِ وحدَها؛ بلْ تجربَةٌ بشريَّةٌ فيها نجاحٌ وإخْفاقٌ، وعدْلٌ وظُلمٌ، واجْتماعٌ وتنازعٌ؛ والوفاءُ لهُ لا يكونُ بتقديسِهِ أَو انْتِقاءِ ما يُغذِّي العصبيَّةَ مِن صفحاتِهِ! وإنَّما بقراءَتِهِ بميزانِ العدْلِ، وحفْظِ محاسنِهِ، والاعْتِرافِ بأَخطائِهِ، والانْتِفاعِ بعِبَرِهِ في إصْلاحِ الحاضِرِ.

فلا تجعلوا أَمجادَ الآباءِ سببًا لتنازعِ الأَبناءِ؛ بلْ اجْعلوها دافعًا إلى بناءِ مستقبَلٍ تتكامَلُ فيهِ شُعوبُ الأُمَّةِ، ويكونُ التَّفاضلُ عندَ اللهِ بالتَّقوى، والاسْتِحقاقُ للمسؤوليَّاتِ بالأَمانَةِ والكفاءَةِ، والتَّقدُّمُ في عمارَةِ الأَرضِ بالعلْمِ والعدْلِ والعمَلِ المتقَنِ.

اللَّهُمَّ! أَلِّفْ بينَ قلوبِ شعوبِ أُمَّتِنا، وطهِّرْها مِنَ العصبيَّةِ والظُّلمِ، وارزقْها عدلًا يجمعُها، وعلمًا ينهضُ بها، ورُشدًا تبني بهِ حاضرَها ومستقبَلَ أَجيالِها.. آمين!

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

»حقيقَةُ محبَّةِ اللهِ وبُرهانُ صِدْقِها«:

Next
Next

البِشْرُ مِن فِقهِ الدَّعوَةِ ومفاتيحِ القلوبِ: