أخي الدَّاعية اللَّبيب!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لحُسنِ الخُلُقِ وجمالِ الدَّعوَةِ - أَنَّ الابتسامَةَ ليسَتْ مجرَّدَ حركَةٍ عابرَةٍ على الوجْهِ؛ بلْ قدْ تكونُ كلمَةً طيِّبَةً بِلا حروفٍ، ورسالَةَ أَمانٍ بِلا صوْتٍ، وبابًا رفيقًا إلى قلْبٍ أَغلقَتْهُ القسوَةُ وأَتعبتْهُ الحياةُ.
فكَمْ مِن نفسٍ نفرَتْ مِن غِلظَةِ الخِطَابِ، ثمَّ آنستْها بشاشَةٌ صادقَةٌ؛ وكم مِن قلْبٍ لم تفتحْهُ كثرَةُ الكلامِ، وفتحَ اللهُ لهُ بابَ القَبولِ بخُلُقٍ كريمٍ، ووجْهٍ طَلْقٍ، وكلمَةٍ رفيقَةٍ.
قالَ اللهُ تعالى لنبيِّهِ ﷺ: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقالَ النبيُّ ﷺ: «لا تَحقِرَنَّ مِنَ المعروفِ شيئًا، ولو أَنْ تلقَى أَخاكَ بوجْهٍ طَلْقٍ» رواه مسلم.
فاجعْلِ البِشْرَ مِن خُلُقِ دعوتِكَ، والرِّفْقَ مِن لغَةِ خطابِكَ، والرَّحمَةَ مِن روحِ نصيحتِكَ؛ فالحقُّ لا يَحسُنُ أَن يُقدَّمَ بقسوَةٍ تُشوِّهُ جمالَهُ، وإنَّما يُبلَّغُ بعلْمٍ، ولسانٍ حكيمٍ، وخُلُقٍ يُحبِّبُ النَّاسَ في سماعِهِ وقَبولِهِ.
وليسَ البِشْرُ ابْتِسامَةً مُصْطنعَةً في كلِّ مقامٍ، ولا الرِّفْقُ تمييعًا للحقِّ؛ فقدْ يقتَضي المقامُ حزْمًا وإنكارًا، لكنَّ الحزْمَ غيرُ الفظاظَةِ، والجِدَّ غيرُ العُبوسِ، وبيانَ الخطإِ لا يفتقِرُ إلى الإهانَةِ.
واجعْلْ لهذا المعنَى برنامجًا عمليًّا في دعوتِكَ: ابدَأْ لقاءَكَ بوجْهٍ طَلْقٍ، واسْتَمعْ قبْلَ أَن تُجيبَ، ونادِ النَّاسَ بأَحَبِّ أَسمائِهم، واخْتَرْ أَلينَ الأَلفاظِ ما لم تُضيِّعِ الحقَّ، ولا تجعَلِ التَّصحيحَ تشهيرًا بغيرِ حاجَةٍ، ولا النَّصيحَةَ إهانَةً، وإذا رأَيتَ مِن نفسِكَ غِلظَةً فبادِرْ إلى إصلاحِها.
ودرِّبْ نفسَكَ كلَّ يومٍ على ثلاثٍ: ابْتِسامَةٍ صادقَةٍ، وكلمَةٍ طيِّبَةٍ، وموقِفِ رِفْقٍ معَ مَن خالفَكَ؛ فإنَّ الدَّعوَةَ تُبنَى بالمواقِفِ المتكرِّرَةِ، كما تُبنَى بالكلماتِ المؤَثِّرَةِ.
فالوجْهُ الطَّلْقُ قدْ يقولُ مِنَ الرَّحمَةِ ما لا تقولُهُ خُطبَةٌ طويلَةٌ، والابْتِسامَةُ الصَّادقَةُ قدْ تفتَحُ مِنَ القلوبِ ما لا تفتحُهُ كثرَةُ الجِدالِ؛ والهدايَةُ بعدَ ذلكَ كلِّهِ بيدِ اللهِ وحدَهُ.
اللَّهُمَّ! زيِّنْ دعوتَنا بالرِّفقِ، ووجوهَنا بالبِشرِ، وأَلسنتَنا بالطِّيبِ، وقلوبَنا بالرَّحمَةِ، واجعلْنا سببًا في هدايَةِ عبادِكَ إلى الحقِّ، لا في تنفيرِهم منهُ.. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

