سلسلَةُ السَّبائِكِ العلميَّةِ في تأْهيلِ طالِبِ العلْمِ (٨-٢٠):

•⁠ ⁠المرحلَةُ الثَّانيَةُ: أَدواتُ الفقيهِ وبناءُ مَلَكته:

•⁠ ⁠المرحلَةُ الثَّانيَةُ: أَدواتُ الفقيهِ وبناءُ مَلَكتِهِ:

٨- تخريجُ الفروعِ على الأُصُولِ؛ الجِسرُ بينَ التَّأْصيلِ والتَّفريعِ:

سَبيكةٌ علميَّةٌ: مَن حفِظَ الفروعَ عرَفَ أَحكامَ المسائلِ، ومَن ردَّها إلى أُصولِها فَقِهَ مداركَها ومآخذَها، ومَن ميَّزَ بينَ المنقولِ والمُخرَّجِ، وبينَ الشَّبَهِ الصُّوريِّ والجامعِ المؤثِّرِ، وأَحسنَ تحقيقَ المناطِ؛ نَمَتْ لديهِ مَلَكَةُ الفقهِ، واتَّسقَ نظرُهُ، وكانَ أَقربَ إلى سلامَةِ الاستنباطِ وصحَّةِ التَّنزيلِ.

✍ أَخي طالبَ العلمِ اللَّبيبَ!

اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ للتَّأْصيلِ والرُّسوخِ - أَنَّ الفقهَ الرَّاسخَ ليسَ رُكامًا منَ الأَجوبَةِ المتناثرَةِ، كما أَنَّ أُصُولَ الفقهِ ليسَتْ قوالبَ ذهنيَّةً منفصلَةً عن واقعِ الاسْتِنباطِ؛ وإنَّما يكتمِلُ البناءُ الفقهيُّ حينَ يتَّصَلُ الحُكمُ بدليلِهِ، والفرعُ بأَصلِهِ، والقاعدَةُ بثمرتِها، والنَّصُّ بوجهِ دلالتِهِ.

فـ «الأَصْلُ» في اصْطلاحِ هذا الفنِّ: القاعدَةُ الأُصوليَّةُ، أَو المسلكُ الكلِّيُّ الذي يضبِطُ فَهْمَ الدَّليلِ وكيفيَّةَ الاستفادَةِ منهُ؛ كقواعِدِ الأَمرِ والنَّهيِ، والعامِّ والخاصِّ، والمطلَقِ والمقيَّدِ، والمنطوقِ والمفهومِ، والنَّسخِ، والقياسِ، والجمْعِ والتَّرجيحِ.

وأَمَّا «الفرعُ»: فهو المسأَلَةُ الفقهيَّةُ الجزئيَّةُ، أَو الحكمُ الشَّرعيُّ العمَليُّ الذي يظهرُ فيهِ أَثرُ ذلكَ الأَصلِ.

ولفظُ «الأَصلِ» تتعدَّدُ دلالاتُهُ باختلافِ المقاماتِ؛ فقدْ يُطلَقُ على الدَّليلِ، والقاعدَةِ الكلِّيَّةِ، والرَّاجحِ، والمقيسِ عليهِ، غيرَ أَنَّ المرادَ بهِ هُنا - في الغالبِ - القاعدَةُ الأُصُوليَّةُ الضَّابطِةُ لمسلكِ الاسْتدلالِ؛ فلا بُدَّ من تحريرِ المرادِ قبلَ بناءِ الحكمِ عليهِ.

و«تخريجُ الفروعِ على الأُصولِ» هو العلْمُ الذي يُعنى ببيانِ بناءِ الفروعِ الفقهيَّةِ على القواعدِ الأُصوليَّةِ، والكشْفِ عن وجْهِ اتِّصالِ الحكمِ بدليلِهِ ومأْخذِهِ، وإظهارِ أَثرِ القواعدِ الأُصُوليَّةِ في توجيهِ الأَحكامِ واختلافِ الفقهاءِ.

فهو لا يكتفي بأَنْ يقولَ لكَ: ماذا حكمَ الفقيهُ؟ بلْ يكشفُ لكَ: كيفَ اسْتدلَّ؟ ولماذا فهمَ الدَّليلَ على هذا الوجْهِ؟ وما القاعدَةُ الأُصُوليَّةُ التي حكمتْ مسلكَهُ في الاسْتنباطِ؟

وبهذا ينتقِلُ طالبُ العلْمِ من معرفَةِ ما قالَهُ الفقهاءُ إلى فَهْمِ كيفَ قالوهُ، ولماذا اخْتلفوا فيهِ؛ فتتحوَّلُ القاعدَةُ الأُصُوليَّةُ من محفوظٍ نظريٍّ إلى آلةٍ عاملَةٍ في الفقهِ، ويتحوَّلُ الفرعُ الفقهيُّ من حكمٍ مجرَّدٍ إلى ثمرَةٍ معلومَةِ الدَّليلِ والمأْخذِ والمسلكِ.

وليسَ تخريجُ الفروعِ على الأُصُولِ مجرَّدَ ذِكرِ الدَّليلِ الجزئيِّ للحكمِ؛ فـ*الدَّليلُ الجزئيُّ* هو ما يُستدَلُّ بهِ على الحكمِ المعيَّنِ، وأَمَّا القاعدَةُ الأُصُوليَّةُ فهي التي تضبِطُ وجْهَ الاسْتدلالِ بذلكَ الدَّليلِ، وكيفيَّةَ فَهْمِهِ، والجمْعَ بينَهُ وبينَ غيرِهِ.

ويجاورُ هذا الفنَّ مسلكانِ ينبغي تمييزُهما عنهُ:

أَوَّلُهما: تخريجُ الأُصُولِ على الفروعِ - ويعبِّرُ بعضُ الباحثين عنهُ باستخراجِ الأُصولِ من الفروعِ - وهو اسْتقراءُ فروعِ الإمامِ وفتاويهِ وتعليلاتِهِ؛ للكشفِ عنَ القواعدِ الأُصُوليَّةِ التي جرى عليها اجتهادُهُ، ولا سيَّما إذا لم يُنقَلْ عنهُ فيها نصٌّ صريحٌ.

فالفرقُ بين المسلكينِ أَنَّ تخريجَ الفروعِ على الأُصُولِ يبيِّنُ أَثرَ الأَصلِ في فروعِهِ، وأَمَّا تخريجُ الأُصُولِ على الفروعِ فيستقرئُ الفروعَ للكشفِ عن الأَصلِ الذي انتظمَها.

ولا يصِحُّ أَنْ يُنسَبَ إلى الإمامِ أَصلٌ كلِّيٌّ اعتمادًا على فرعٍ واحدٍ محتمَلٍ؛ بلْ لا بُدَّ من اسْتقراءِ قدْرٍ كافٍ من فروعِهِ، وجمعِ نصوصِهِ ورواياتِهِ، والنَّظَرِ في قرائنِها واسْتثناءاتِها، والتَّمييزِ بينَ ما صدَرَ عنهُ تأْصيلًا مطَّردًا، وما صدَرَ لخصوصِ دليلٍ أَو واقعَةٍ أَو حالٍ.

وثانيهما: التَّخريجُ المذهبيُّ، ومن أَبرَزِ مسالكِهِ *تخريجُ الفروعِ على الفروعِ*؛ وهو اسْتنباطُ حكمِ مسأَلَةٍ لم يُنقَلْ فيها نصٌّ صريحٌ عن إمامِ المذهبِ، من أُصُولِهِ وفروعِه المنصوصَةِ ونظائرِها، بطريقٍ معتبرٍ؛ كاشتراكِ المسأَلَتينِ في مأْخَذٍ مؤَثِّرٍ، أَو انْدراجِ المسأَلَةِ تحتَ عمومِ كلامِهِ، أَو دلالَةِ لازمِ مذهبِهِ عليها.

وهذا اجتهادٌ مذهبيٌّ دقيقٌ، لا يَسَعُ كلَّ مَن حفِظَ قاعدَةً أَو لاحَ لهُ شَبَهٌ بينَ مسأَلَتينِ؛ بلْ يحتاجُ إلى رسوخٍ في أُصُولِ المذهبِ وفروعِهِ، ومعرفَةٍ بنصوصِ إمامِهِ ورواياتِها ومراتبِها، ومصطلحاتِ أَصحابِهِ، ومسالكِهم في النَّقلِ والتَّخريجِ والتَّرجيحِ، معَ القدرَةِ على إدراكِ الفروقِ المؤَثِّرةِ بينَ المسائلِ.

وإذا كانَ للخلافِ الأُصُوليِّ أَثرٌ ظاهرٌ في اختلافِ الفروعِ؛ فلا يصِحُّ ردُّ كلِّ خلافٍ فقهيٍّ إلى خلافٍ أُصُوليٍّ؛ فقدْ يرجعُ الخلافُ إلى ثبوتِ الدَّليلِ، أَو اختلافِ الرِّوايَةِ، أَو فَهْمِ الدَّلالةِ، أَو الجمعِ والتَّرجيحِ، أَو تصوُّرِ الواقعَةِ، أَو تحقيقِ المناطِ، أَو ثبوتِ العُرفِ، أَو تقديرِ المصلحَةِ والمآلِ.

كما قدْ يختلِفُ فقيهانِ في قاعدَةٍ أُصُوليَّةٍ، ثمَّ يتَّفقانِ في حكمِ فرعٍ معيَّنٍ؛ لدليلٍ خاصٍّ، أَو إجماعٍ، أَو مانعٍ حالَ دونَ ظهورِ أَثرِ ذلكَ الخلافِ فيهِ.

ومن آفاتِ هذا البابِ أَنْ يتحوَّلَ التَّخريجُ إلى صناعَةٍ تبريريَّةٍ؛ فيُقرَّرُ الحكمُ أَوَّلًا، ثمَّ يُلتمَسُ لهُ أَصلٌ يوافقُهُ! والصَّوابُ أَنَّ التَّخريجَ العلميَّ يبدأُ بتحريرِ الأَصلِ وثبوتِهِ، وفَهْمِ الفرعِ وتصويرِهِ، ثمَّ إثباتِ وجْهِ الارتباطِ بينهما بدليلٍ صحيحٍ، معَ انْتفاءِ الفارقِ المؤَثِّرِ والمخصِّصِ والمعارضِ.

فليسَ كلُّ تشابُهٍ بينَ فرعينِ جامعًا مؤَثِّرًا، وليسَ كلُّ موافقَةٍ ظاهرَةٍ بينَ فرعٍ وأَصلٍ تخريجًا صحيحًا؛ فقدْ تتجاذَبُ الفرعَ أُصُولٌ متعدِّدَةٌ، وقدْ يكونُ مستندُهُ نصًّا خاصًّا، أَو إجماعًا، أَو قياسًا، أَو قاعدَةً فقهيَّةً، لا القاعدَةَ الأُصُوليَّةَ التي بدَتْ للنَّاظرِ أَوَّلًا.

ولهذا؛ فدرِّبْ نفسَكَ عندَ دراسَةِ كلِّ مسأَلَةٍ على تحريرِ صورتِها ومحلِّ النِّزاعِ فيها، ثمَّ اسأَلْ:

ما حكمُها؟ وما دليلُهُ؟ وهل ثبَتَ الدَّليلُ؟ وما وجْهُ دلالتِهِ؟ وما القاعدَةُ الأُصُوليَّةُ المؤَثِّرَةُ في فَهْمِهِ؟ وهل عارضَهُ دليلٌ أَخصُّ أَو أَرجحُ؟ وهل الحكمُ منقولٌ عنَ الإمامِ أَم مُخرَّجٌ على أُصُولِهِ أَو فروعِهِ؟ وهل تحقَّقَ مناطُ الحكمِ، واستُكمِلَتْ شروطُهُ، وانْتفَتْ موانعُهُ في الواقعَةِ المعيَّنَةِ؟

والمنهجُ الأَقومُ في تحصيلِ هذا الفنِّ أَنْ تقرنَ كلَّ قاعدَةٍ أُصُوليَّةٍ بتطبيقاتِها الفقهيَّةِ، وتجمَعَ فروعَها ونظائرَها، وتتأَمَّلَ مواضِعَ إعمالِها واستثنائِها، ثمَّ تعكسَ النَّظَرَ؛ فتأْخذَ الفرعَ الفقهيَّ وتبحَثَ عن دليلِهِ ومأْخذِهِ وأَصلِهِ، مع عرضِ ذلكَ على أَهلِ العلْمِ والرُّسوخِ؛ فإنَّ هذا التَّدريبَ المتكرِّرَ هو الذي ينقِلُ الأُصُولَ منَ الذَّاكرَةِ إلى المَلَكَةِ.

فالقاعدَةُ: الأُصُولُ تضبِطُ طريقَ الاسْتدلالِ، والفروعُ تكشِفُ ثمراتِهِ وتختبرُ سلامَةَ تطبيقِهِ، والتَّخريجُ العلميُّ هو الجِسرُ الواصِلُ بينهما؛ فمَن حفِظَ الأُصُولَ دونَ تطبيقٍ نقصَتْ ثمرَةُ علمِهِ، ومَن حفِظَ الفروعَ دونَ معرفَةِ مداركِها قَصُرَتْ مَلَكَتُهُ، ومَن جمَعَ بينَ الأُصُولِ والفروعِ، وأَحسنَ التَّخريجَ وتحقيقَ المناطِ تحتَ نظَرِ أَهلِ العلْمِ؛ نَمَتْ لديهِ مَلَكَةُ الفقيهِ، وكانَ أَقربَ إلى اتِّساقِ النَّظرِ، وسلامَةِ الاسْتنباطِ، ورَشَدِ التَّنزيلِ.

اللَّهُمَّ! ارزقْنا فقهًا راسخًا، وفَهْمًا سديدًا لأُصُولِ شرعِكَ وفروعِهِ، ووفِّقْنا لحُسنِ الاسْتدلالِ والتَّخريجِ والتَّنزيلِ، واعصِمْنا منَ الزَّللِ والقولِ عليكَ بغيرِ علْمٍ.. آمين!

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

البِشْرُ مِن فِقهِ الدَّعوَةِ ومفاتيحِ القلوبِ:

Next
Next

سلسلَةُ السَّبائِكِ العلميَّةِ في تأْهيلِ طالِبِ العلْمِ (٧-٢٠):