سلسلةُ شرحِ قاعدَةُ: »اللَّهُمَّ ادفَعِ الظَّالمينَ بالظَّالمينَ، وأَخرِجْنا مِنْ بَينِهِمْ سالمينَ« (١-٧):

١- التَّأْصيلُ الشَّرعيُّ وفهمُ سُنَّةِ التَّدافُعِ:

هذهِ العبارةُ جاريةٌ على أَلسنةِ النَّاسِ دعاءً، ومعناها في الجملةِ صحيحٌ من حيثُ الاستدلالُ بسُنَّةِ التَّدافُعِ التي قرَّرها القرآنُ الكريم: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾.

أَولًا: التَّأصيلُ العلميِّ:

الأَصلُ أَنَّ اللهَ يجري في الكونِ سُننًا؛ منها أَن يُسلِّطَ بعضَ الظالمينَ على بعضٍ، فيكونُ في ذلك تقليلٌ لشرٍّ أَعظم، وكسرٌ لحدَّةِ البغي. وقد نصَّ أَهلُ العلمِ على أَنَّ اللهَ قد يدفعُ فسادًا بفسادٍ أَخفَّ، تحقيقًا لقاعدةِ دفعِ أَعظمِ المفسدتينِ باحتمالِ أَدناهما.

ثانيًا: الضَّبطُ المَنهجيِّ:

هذا الدُّعاءُ ليسَ تزكيةً للظلمِ ولا رضا بهِ؛ بل هو سؤالٌ بأَن يُصرفَ شرُّ الظالمينَ بعضُهم عن بعض، مع طلبِ السلامةِ للمؤمنين. ولا يجوزُ أَن يُفهمَ منهُ تمنِّي دوامِ الظلمِ أَو الركونِ إلى الفتنِ؛ بل الواجبُ أَصلًا إقامةُ العدلِ بحسبِ القدرة، والأَمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكر؛ كما أَنَّ تنزيلَ هذه القاعدةِ على الوقائعِ يحتاجُ إلى فقهِ مآلاتٍ وموازين، ولا يتوسَّعُ فيه بغيرِ علم.

ثالثًا: المقصدُ الصَّحيحُ للدُّعاءِ:

المقصودُ به: كفُّ أَذى الظالمينَ عن أَهلِ الحقِّ، وتقليلُ الشرورِ عند العجزِ عن رفعها بالكلية، وطلبُ السلامةِ للمسلمينَ من أَن يكونوا وقودًا لصراعاتِ الباطل.

الخُلاصة: هذهِ القاعدةُ من بابِ فقهِ السُّنن، لا من فقهِ الرِّضا بالواقعِ؛ فهي تعبيرٌ عن إدراكِ سُنَّةِ التَّدافُعِ، مع الالتزامِ بأَصلِ الشَّريعةِ في طلبِ العدلِ ودفعِ الظلم، وسؤالِ اللهِ أَن يجعلنا في جانبِ الحقِّ والسَّلامةِ، لا في صفوفِ الفتنِ والظالمين.

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

سلسلةُ شرحِ قاعدَةُ: »اللَّهُمَّ ادفَعِ الظَّالمينَ بالظَّالمينَ، وأَخرِجْنا مِنْ بَينِهِمْ سالمينَ« (٢-٧):

Next
Next

خصائصُ أَهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ وصِفاتُهم (١٥):