لماذا برزت بعضُ الحركات الشيعيَّة تنظيميًّا وسياسيًّا؟ قراءةٌ في السِّياق التَّاريخيِّ..

أَخي اللَّبيب! اعلم أنَّ الحكمَ على الظواهر دون ردِّها إلى أُصولها، وضبطِها بسياقاتها؛ يوقع في الغلط، ويُفضي إلى خلطٍ بين الحقائق وآثارها.

وإنَّ من الظواهر التي استوقفت الناظرَ في هذا العصر: ما يبدو من بروز بعض الحركات الشيعيَّة في ميدان التنظيم والسياسة؛ فكان لزامًا تحريرُ القول في سبب ذلك، وردُّه إلى سياقه التاريخي، لا إلى ظواهره العارضة.

ومن هنا تبرز مسألةٌ تحتاج إلى نظرٍ فاحصٍ، وتأَمُّلٍ مُحرِّر: ما يُرى في واقعنا المعاصر من قدرةٍ تنظيميةٍ وسياسيةٍ لافتة لدى بعض هذه الحركات؛ بلغت حدَّ تأسيس دولةٍ، والانخراط في صراعاتٍ إقليميّةٍ معقّدة، بل والتأثير في توازناتٍ دوليّة؛ حتى خُيِّل لبعض الناظرين أنَّها أقدرُ حضورًا في ميادين السياسة، وأشدُّ فاعليّةً من كثيرٍ من الحركات السُّنيّة.

غير أنَّ هذا الفهم - إن أُخذ على ظاهره - كان قاصرًا؛ إذ لا يُدرك تفسيرُ الظواهر إلَّا بردّها إلى سياقاتها التاريخية، وربطها بشروط نشأتها الأولى.

فإنَّ الجماعات الشيعية قد عاشت - في جملة تاريخها - في موقع المعارضة للسلطة الغالبة؛ الأمر الذي اضطرّها إلى تطوير أنماطٍ مخصوصة من التنظيم، تقوم على السرّية، والتماسك الداخلي، وبناء شبكاتٍ اجتماعيةٍ قادرة على الصمود في بيئات الضغط والاضطهاد؛ فنشأت بذلك «ثقافةٌ تنظيمية» متجذّرة، لا بوصفها تفوّقًا ذاتيًّا؛ بل استجابةً لظروفٍ قاهرة فرضتها طبيعة موقعها السياسي.

وفي المقابل؛ نشأ تراثُ أهل السُّنَّة في ظلِّ دولٍ قائمةٍ وسلطانٍ ممتدّ؛ فانصرف جهدُ علمائهم إلى حراسة الدِّين، وتقعيد العلوم، وبسط التعليم، بينما أُسند تدبير السياسة إلى أهل السلطان؛ فلم تتشكّل - في كثيرٍ من مراحلهم - تقاليدُ تنظيمية سياسية مماثلة، لا لعجزٍ في المنهج؛ بل لعدم قيام الداعي إليها في سياق الاستقرار.

وهنا يقع الغلطُ عند بعض المعاصرين: إذ يُحمِّلون «النتيجة التاريخية» دلالةً منهجية؛ فيجعلون قوّة الحضور السياسي معيارًا لصحّة التصوّر، أو ضعف التنظيم دليلًا على قصورٍ علميّ؛ وهذا خلطٌ بين «الواقع» و«الحق» وبين «التمكّن الظاهر» و«سلامة المنهج».

فالسياسةُ قد تقوى بأسبابٍ خارجةٍ عن معيار الحق، كما أنَّ الحقَّ قد يضعف حضورُه السياسي لأسبابٍ تتعلّق بالظروف لا بالأصول.

الخلاصة: إنَّ التحدّي الحقيقي لا يكمن في تقليد التجارب الأُخرى، ولا في استيراد نماذج نشأت في سياقاتٍ مغايرة؛ بل في إعادة بناء فقهٍ سُنّيٍّ متوازنٍ في «السياسة الشرعية»: فقهٍ يستمدُّ أُصوله من الوحي، ويستوعب سنن الاجتماع، ويُحسن قراءة الواقع، ويُدرك موازين القوى؛ فإذا اجتمع رسوخُ العلم مع فقهِ الواقع؛ انتقلت الأُمَّةُ من طور المقارنة إلى طور المبادرة، ومن موقع التلقّي إلى مقام التأثير.

هذا بعضُ ما سيتناوله كتابي: «العلماءُ والسِّياسَةُ الشَّرعيَّةُ: بين تراثِ الدَّولةِ وامتحانِ السُّقوط» قريبًا بإذن الله.

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

لماذا كان علماء أَهل السُّنَّة أَقلَّ انخراطًا في العمل السِّياسي تاريخيًا؟

Next
Next

العلماءُ والسِّياسةُ الشَّرعيَّة: بين رُسوخِ التراثِ وعَجْزِ التَّنزيل..