لماذا كان علماء أَهل السُّنَّة أَقلَّ انخراطًا في العمل السِّياسي تاريخيًا؟
أَخي طالبَ العالمَ اللَّبيب!
اعلمْ أَنَّ مسأَلةَ «الفتوى السياسية» تُعَدُّ من القضايا التي شهدت قدرًا ملحوظًا من الاضطراب في الخطاب المعاصر؛ إذ تتباين فيها المقاربات، وتتعدد مناهجُ التنزيل على الواقع.
ولا يمكن فهمُ هذا التباين فهمًا دقيقًا دون استحضار السياق التاريخي الذي تشكَّلت فيه «المدرسةُ العلميةُ السُّنية» وما أَفرزه ذلك من أَنماطٍ مخصوصةٍ في العلاقة بين العلم والسلطة، وفي تحديد مجالات الاشتغال ووظائفها.
ومن ثمّ؛ فإنَّ تحليل هذا السياق يُمثِّل مدخلًا منهجيًا لازمًا لتفسير طبيعة الموقف السُّني من الشأن السياسي، وتقويم امتداداته في الواقع المعاصر؛ إذ إنَّ علماءَ أَهلِ السُّنَّة - عبر قرونٍ طويلة - عاشوا في ظلِّ دولٍ قائمةٍ ذاتِ سلطانٍ مركزي؛ منذ عهدِ الخلافةِ الراشدة، ثم الدولةِ الأموية فالعباسية، ثم دولِ السلاجقةِ والأيوبيين، وصولًا إلى الدولةِ العثمانية.
وفي مثل هذا السياق، كان تقسيمُ الأدوار بين السلطان والعالِم واضحًا في كثيرٍ من الأحيان؛ إذ تولّى العلماءُ حفظَ الشريعة، وبسطَ العلم، وتقعيدَ الأحكام؛ بينما تولّى أهلُ السلطة تدبيرَ السياسة وإدارةَ شؤون الدولة.
فنشأ عن ذلك تراثٌ علميٌّ بالغُ الرسوخ في علوم التفسير والحديث والفقه والعقيدة؛ حتى بلغت هذه العلومُ ذروةَ النضج والتقعيد في الحضارة الإسلامية.
غير أنَّ التجربةَ العمليةَ في تدبير السياسة لم تكن - في الغالب - من مجال اشتغال العلماء المباشر؛ إذ إنَّ وجود الدولة القائمة كان يُغني - إلى حدٍّ كبير - عن الحاجة إلى بناء نظريةٍ سياسيةٍ عملية خارج مؤسسات الحكم.
وعلى النقيض من ذلك؛ فإنَّ الجماعات التي عاشت تاريخيًا في موقع المعارضة السياسية الدائمة اضطُرَّت إلى الانخراط في العمل السياسي والتنظيمي بدرجةٍ أكبر؛ لكون وجودها نفسه مرتبطًا بالصراع على السلطة أو مواجهة الدولة القائمة، فترسَّخت لديها خبرةٌ سياسيةٌ وتنظيميةٌ أوسع، وإن كان ذلك لا يستلزم بالضرورة سلامة منهجها العقدي أو الفقهي.
فلما انهارت الدولة العثمانية - وهي آخر إطارٍ جامعٍ للسلطان السُّني - وجدتِ الأُمَّة نفسها أمام فراغٍ سياسيٍّ كبير؛ في حين لم يكن لدى العلماء تراثٌ واسعٌ في إدارة الدولة الحديثة أو التعامل مع تعقيدات الصراع الدولي.
- وهنا برز التحدي الجديد: كيف يُنزَّل العلمُ الشرعي على واقعٍ سياسيٍّ عالميٍّ شديد التعقيد، لم تألفه التجربة التاريخية السابقة؟
- ومن هنا تبرز الحاجة إلى تجديد النظر في فقه «السياسة الشرعية»؛ بحيث يُبنى على أُصول الشريعة الراسخة، ويستفيد - في الوقت نفسه - من فهم سنن التاريخ وموازين القوة في العالم المعاصر؛ وهو تجديدٌ لا يقطع مع التراث، بل يُحسن تنزيله على واقعٍ تغيّرت أدواتُه وتعقّدت معادلاتُه (يتبع)...
هذا بعضُ ما سيتناوله كتابي: «العلماءُ والسِّياسَةُ الشَّرعيَّةُ: بين تراثِ الدَّولةِ وامتحانِ السُّقوط» قريبًا بإذن الله.
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

