العلماءُ والسِّياسةُ الشَّرعيَّة: بين رُسوخِ التراثِ وعَجْزِ التَّنزيل..
الحمدُ لله الذي أَنزلَ الكتابَ بالحقِّ والميزان، وجعلَ هذا الدينَ قائمًا على العدلِ والإحسان، لا يزيغُ إلَّا بزَيْغِ النُّفوسِ، ولا يضطربُ إلَّا باضطرابِ الفهومِ.
أَمَّا بعدُ: فإنَّ من أَعظمِ المفارقاتِ في واقعِ الأُمَّةِ اليوم: أَنَّها تملكُ تراثًا فقهيًّا من أَرسخِ ما عرفتْهُ البشريَّةُ ضبطًا وتأْصيلًا، ثم تقفُ - مع ذلك - حائرةً في «ميدانِ السِّياسَةِ» مضطربةً في فقهِ الدَّولةِ، متردِّدةً في إدارةِ الصِّراعِ.
لقد بلغ علماؤنا الغايةَ في تحريرِ مسائلِ العقيدة والفقه ودقائق الطهارة، وأَحكامِ البيوع، والفرائض؛ حتى ضُبِطتْ الجزئياتُ أَدقَّ ضبط، وأُحكمتِ الفروعُ أَبلغَ إحكام؛ غير أَنَّ ميدانَ «السِّياسةِ الشَّرعيَّةِ» - وهو ميدانُ بقاءِ الأُمَّةِ أَو فنائها - ظلَّ في كثيرٍ من جوانبهِ محصورًا في قواعدَ عامَّة، وإشاراتٍ مجملة، لا تنهضُ وحدها لمواجهةِ واقعٍ دوليٍّ مركَّبٍ شديدِ التعقيد.
وليس ذلك طعنًا في التراث، ولا نقصًا في الوحي؛ وإنَّما هو أَثرُ سياقٍ تاريخيٍّ عاش فيه العلماءُ قرونًا تحت ظلِّ سلطانٍ قائم، ودولةٍ مستقرَةٍ؛ فاشتغلوا بما هو أَولى في حينه: حفظُ الدِّين، وتقعيدُ الشَّريعة، وضبطُ العلوم..
وأُنيط أَمرُ السِّياسَةِ بأَهل السُّلطان؛ فكان الفقيهُ في الغالبِ ناظرًا من خارجِ ميدانِ التَّدبيرِ، لا صانعًا لآلياتِهِ؛ فنشأَ فقهٌ عظيمٌ في أَبوابِ الأَحكام، يقابلهُ قصورٌ نسبيٌّ في تفصيلِ فقهِ الدَّولةِ وتدبيرِ الصِّراعِ.. حتى إذا انهارَ السِّياج، وسقطتِ الدُّولَةِ، وانفرط عقدُ السُّلطانِ، وورثت الأُمَّةُ فراغًا سياسيًّا وهيمنةً خارجيَّةً؛ برزَ الخللُ على حقيقتِهِ: علمٌ راسخٌ في المتونِ، ضعيفُ الحضورِ في ميادينِ التَّنزيلِ.
فإذا بالخطابِ يتأَرجح بين طرفين:
- طرفٍ يُسقِطُ النُّصوصَ على الواقعِ إسقاطًا ساذجًا، لا يُراعي تعقيداته.
- وطرفٍ يذوبُ في الواقع ذوبانًا يُفضي إلى تمييع الأَحكام وتعطيل المقاصد.
والحقُّ أَنَّ الخللَ لم يكن يومًا في نصوصِ الوحي - فهي أَكملُ من أَن تُتَّهم - وإنما كانَ في فقهِ التَّنزيلِ، وفي أَدواتِ قراءةِ الواقعِ، وفي القدرَةِ على الجمع بين النَّصِّ والسُّنَّةِ الكونيَّةِ.
إنَّ السِّياسةَ ليسَتْ حماسةً مجرَّدَةً، ولا مساوماتٍ هزيلة؛ بل فقهٌ بالمآلات، وإدراكٌ لموازين القوى، وبصيرةٌ بسُنن التدافع.
وما لم يُستأنف هذا الفقهُ على وجهه الصحيح؛ فستبقى الأُمَّةُ أَسيرةَ ردودِ الأَفعالِ، تُحرَّك ولا تُحرِّك، وتُدار ولا تُدير؛ فالواجبُ اليومَ ليس هدمَ التراث، بل استنطاقُهُ، ولا تعطيلُ النُّصوص، بل إحياءُ تنزيلِها، ولا الانفصالُ عن الواقع، بل فقهُه بميزان الوحي.فقهٌ يجمعُ بين نورِ النَّصِّ، وبصيرةِ الواقع، وسننِ التاريخ؛ فإذا اجتمع ذلك، استقامت البصيرة، وزال الاضطراب، وعادت الأُمَّةُ إلى مقام الفاعليَّة بعد طولِ انفعال.
هذا بعضُ ما سيتناوله كتابي: «العلماءُ والسِّياسةُ الشَّرعيَّةُ: بين تراثِ الدُّولةِ وامتحانِ السُّقوط» قريبًا بإذن الله.
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

