رمضانُ... ليسَ شهرًا في العامِ؛ بل حياةٌ كاملةٌ في شهرٍ (١٧):
أخي الصائم المريد لوجه ربه الكريم!
اعلمْ أَنَّ رمضانَ هو مَدرسةُ الاستقامةِ، ومِحكُّ الإرادةِ؛ فليسَ المقصودُ أَن نكونَ ربانيين في شهرٍ ورمادِيين في سائرِ الدَّهرِ، بل أَن يكونَ رمضانُ وقودًا لرحلةِ العمرِ.
وليسَ الصِّيامُ مجردَ تغييرٍ في مَواعيدِ العاداتِ، بل هو ثورةٌ على مألوفِ الشَّهواتِ؛ فإذا استقامتْ نفسُكَ عن المباحِ طاعةً، فأَن تَلزمَ الاستقامةَ عن الحرامِ أَوْلى وأَحجى.
الثباتُ في رمضانَ ليسَ مَظهرًا تُزيِّنُ بهِ أَيامَك، بل هو عقدٌ تبرمُهُ مع ربِّك؛ آيةٌ تدبرتَها فغيَّرتْ فيكَ مسارًا، وسلوكٌ هذبتَهُ فصارَ لكَ دثارًا؛ فاجعلْ من صيامِكَ جسرًا تعبرُ بهِ نحو مرافئِ الصَّلاحِ الدائمِ، وسلْ نفسَكَ مع كلِّ خُلُقٍ تكتسبُه: (أَهذا غِراسٌ سأَتعاهدُهُ أَم زهرٌ سأَتركهُُ يذبلُ؟) وعندَ كلِّ بادرةِ فتورٍ: (أَيرضى الحبيبُ أَن يرتدَّ قلبي بعدَ هُداه؟).
الاستقامةُ كرامةٌ، والمداومةُ وإن قلَّتْ أَمارةُ القبولِ: فمَنْ كانَ يعبدُ رمضانَ؛ فإنَّ رمضانَ يرحلُ.ومَنْ كانَ يعبدُ ربَّ رمضانَ؛ فإنَّ ربَّ العزةِ باقٍ لا يزولُ.
رمضانُ بلا استقامةٍ بناءٌ بلا أَساسٍ، والثباتُ في رمضانَ ليسَ كغيرِهِ؛ إنَّهُ عهدُ الأَوفياءِ، وطريقُ الأَتقياءِ الأَصفياءِ.
اللَّهمَّ! يا مُقلبَ القلوبِ ثبِّتْ قلوبنا على دينِك، واجعلنا من الذين استقاموا؛ فتنزلَتْ عليهم رحمتُك.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

