رمضانُ... ليسَ شهرًا في العامِ؛ بل حياةٌ كاملةٌ في شهرٍ (١٥):
عشرٌ مضتْ وعشرٌ بقيَتْ.. أَما آنَ للغريبِ أَنْ يؤُوبَ؟
انقضى الشطرُ وبقيَ الشطر، والفوزُ لمن ثبتَ وصبرَ؛ فاستقبلوا ما بقيَ بقلوبٍ جديدةٍ، وتوبةٍ صادقةٍ، وعزيمةٍ لا تلين.
أَخي الصَّائمَ المحتسب!
مضتِ العشرُ الأُوَل، وانطوتْ أَيامُها كلَمحِ البصر، وها نحنُ اليومَ نقفُ على عتبةِ «المنصف» حيثُ يشتدُّ السباق، ويظهرُ الفارقُ بين مَن استقامَ ومَن استكان..
إنَّ انتصافَ الشهرِ ليس مجردَ تاريخٍ في التقويم، بل هو «صيحةُ نذيرٍ» تقولُ لنا: إنَّ الضيفَ قد أَزمعَ الرحيل، وإنَّ ما بقيَ أقلُّ مما مضى!
١- حقيقةُ «الأَيامِ المعدودات»: لقد قال اللهُ عنها: {أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ}؛ ليعلِّمنا أَنَّ مِيزتَها في سرعةِ انقضائها؛ فمَن قصَّرَ فيما مضى، فالبابُ لا يزالُ مفتوحًا، ومَن أَحسنَ فيما مضى، فليحذرْ من «فتورِ المنتصف»؛ فإنَّ الخيلَ إذا قاربتْ نهايةَ المِضمار، بذلتْ أَقصى جُهدِها لتنالَ السَّبْق؛ فلا تكنِ الخيلُ أكيَسَ منك!
٢- وقفةُ المحاسبة: انظرْ في قلبِك في هذا المنصف: هل لامستِ السكينةُ شَغافَه؟ هل ذرفتِ العينُ دمعةً من خشيةِ الله، أَو من شوقٍ إليه؟ هل تخلَّصتَ من غِلٍّ، أَو كففتَ عن غيبةٍ، أَو أَصلحتَ بين متخاصمين؟ إن لم تجدْ ذلك بعد، فبادرْ؛ فإنَّ الذنوبَ هي التي تُكبِّلُ الأَرواحَ عن الطيرانِ في ملكوتِ الطاعة.
٣- سِحرُ الليالي القادمة: اعلموا أَنَّ أَعظمَ ليالي الدنيا لا تزالُ أَمامكم. إنَّ في العشرِ الأَواخرِ - التي نكادُ نلمسُ أَطرافَها - ليلةً هي خيرٌ من أَلفِ شهر.. وإنَّ الموفَّقَ من استعدَّ لها في مَنْصَفِ الشهر، بشحذِ العزيمة، وتجديدِ النيَّة، وتطهيرِ المأكلِ والمشرب.
٤- الرزقُ الحقيقيُّ في رمضان: ليس الرزقُ في رمضانَ مائدةً عامرة، بل هو «سكينةُ الروحِ وصحةُ القلبِ»؛ هو أَن يرزقَكَ اللهُ لذةَ المناجاةِ في السحر، ونورَ الفهمِ عند تلاوةِ القرآن؛ فلا تشغلنَّك «أَخبارُ الدنيا» وضجيجُ الصراعاتِ عن «بشائرِ الآخرة»؛ فالدنيا تضطربُ لتصفو، والقلوبُ تفتقرُ لتغنى بالله.
٥- الرسالةُ الختامية:
يا مَن فرَّطتَ في العشرِ الأولى.. اغتنمِ الوسطى لتُدركَ العظمى!يا مَن أَحسنتَ في البدءِ.. ثباتاً ثباتاً؛ فإنما الأعمالُ بالخواتيم.
اللَّهمَّ! لا تجعلنا من الذين صاموا عن الطعامِ وفطروا على الآثام، ولا من الذين قاموا ليلَهم وحظُّهم منه التعبُ والسَّهر.
اللَّهمَّ! اجعلنا ممن غفرتَ لهم ما مضى، وباركتَ لهم فيما بقي، وبلَّغتهم ليلةَ القدرِ وهم في أحسنِ حال.
اللَّهمَّ! إن بلغنا نصفه، فبلِّغنا تمامه بقبولٍ ومغفرة، ولا تجعلنا ممن خسروا موسم الرحمة وهم لا يشعرون.
الخلاصة: انقضى الشطرُ وبقيَ الشطر، والفوزُ لمن ثَبَتَ وصَبَرَ. فاستقبلوا ما بقيَ بقلوبٍ جديدة، وتوبةٍ صادقة، وعزيمةٍ لا تلين.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

