رمضانُ... ليسَ شهرًا في العامِ؛ بل حياةٌ كاملةٌ في شهرٍ (٥):
أَخي الصائم القائم!
اعلمْ أَنَّ قيامَ رمضانَ ليسَ مجرَّدَ ركعاتٍ تؤدَّى، بلْ هو ميدانُ القُربِ وملاذُ التَّائبينَ؛ فيهِ يخلو العبدُ بربِّهِ، ويسكبُ دمعَ الندمِ والرجاءِ بين يديهِ.
فالصِّيامُ نهارًا كفٌّ عن المباحاتِ، والقيامُ ليلًا صلةٌ بربِّ الأَرضِ والسَّمواتِ؛ ولا يكمُلُ شرفُ المؤمنِ إلَّا بليلٍ يحييهِ بالذِّكرِ، وقرآنٍ يرتِّلُهُ في المحاريبِ بتدبُّرٍ.
وإنَّ قيامَ اللَّيلِ في رمضانَ زادُ الطريقِ ونورُ المسيرِ؛ ركعةٌ في السَّحَرِ قدْ تفتحُ لكَ بابَ هدايةٍ، وسجدةٌ في خفاءٍ قدْ تكونُ سببًا لمغفرةِ ذنوبٍ ورفعةِ درجاتٍ.فلا تجعلْ حظَّكَ من القيامِ تعبَ القدمينِ؛ بلِ اجعلْ حظَّكَ منهُ سكونَ القلبِ وطمأنينةَ النَّفسِ.. إقرأْ في صلاتِكَ قراءةَ مَنْ يطلبُ النَّجاةَ، واسجدْ سجودَ مَنْ لا يبتغي الرِّفعةَ إلَّا عندَ اللهِ؛ فما أَفلحَ مَنْ قامَ بجسدِهِ وقلبُهُ لاهٍ، وما خابَ مَنْ قامَ بروحِهِ وجوارحُهُ خاشعةٌ.
رمضانُ بلا قيامٍ يفوتُهُ خيرٌ كثيرٌ، والقيامُ في رمضانَ سكنٌ وأَمانٌ؛ فليكنْ قيامُكَ صلةً لا تنقطعُ، ودمعةً تُطفئُ لوعةَ الذَّنبِ، وتُحيي في القلبِ معنى الرُّجوعِ.. قالَ ﷺ: »مَنْ قامَ رمضانَ إيمانًا واحْتِسابًا؛ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ« [متفق عليه].
اللَّهمَّ! أَعنَّا على الصِّيامِ والقيامِ، ووفِّقنا لقيامِ ليلةِ القدرِ إيمانًا واحتسابًا، بفضلكَ يا ذا الجلالِ والإكرامِ.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

