فتنَةُ تغييرِ خَلْقِ اللهِ باسمِ التَّجميلِ..

سلسلَةُ بصائِرَ في المنهَجِ والواقِعِ (٤٠):

أَخيَ المسلمَ الصَّادقَ اللَّبيب!

اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ لِمرضاتِهِ - أَنَّ مِن فِتنِ هذا العصرِ: فتنَةَ التَّعلُّقِ بالصُّورَةِ والمظهَرِ؛ حتى صارَ بعضُ النَّاسِ لا يرضى بما قسمَ اللهُ لهُ من الخِلقَةِ، ولا يطمئِنُّ إلى جمالِ الفطرَةِ؛ بلْ يُطارِدُ صورَةً مصطنعَةً فرضتها الشَّاشاتُ ووسائِلُ التَّواصلِ، فينفخُ الشَّفتينِ، ويُغيِّرُ ملامحَ الوجْهِ، ويعبَثُ بتقاطيعِ الخِلقَةِ؛ لا لعلاجِ عيبٍ ولا إزالَةِ ضررٍ، ولكنْ طلبًا لزينَةٍ موهومَةٍ ومباهاةٍ زائلَةٍ.

وقدْ قال الله تعالى حكايَةً عن إبليس: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ [النساء: 119].

وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4].

وجاء في «الصَّحيحين» أَنَّ النَّبي ﷺ قالَ في شأْنِ بعضِ صورِ التَّجميلِ المحرَّم: »لَعَنَ اللهُ الوَاشِمَاتِ وَالمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالمُتَنَمِّصَاتِ، وَالمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ«.

فدلَّ الحديثُ على قاعدَةٍ عظيمَةٍ:

أَنَّ التَّغييرَ المقصودَ لذاتِ الخِلقَةِ طلبًا للحُسنِ المصطنَعِ، لا لعلاجٍ ولا حاجَةٍ معتبرَةٍ؛ داخلٌ في الوعيدِ والتَّحريمِ.وليسَ كلُّ تجميلٍ محرَّمًا؛ بلْ يجبُ التَّفريقُ بينَ نوعينِ:

الأَوَّلُ: تجميلٌ علاجيٌّ جائزٌ:

 وهو ما كانَ لإزالَةِ عيبٍ ظاهِرٍ، أَو تشوُّهٍ خلقيٍّ، أَو أَثرِ حادثٍ أَو حرقٍ أَو مرضٍ، أَو لإعادَةِ العضوٍ إلى صورتِهِ المعتادَةِ بقدْرِ الحاجَةِ؛ فهذا من بابِ التَّداوي ورفعِ الحرجِ.

الثَّاني: تجميلٌ تعبُّثيٌّ محرَّمٌ: 

وهو ما كانَ لمجردِ تغييرِ الخِلقَةِ، وتكبيرِ الشَّفتينِ، ونفخِ الوجْهِ، وتبديلِ الملامِحِ، واتِّباعِ موضاتِ الشُّهرَةِ والإغراءِ، لا سيما إذا ترتَّبَ عليهِ ضرَرٌ طبيٌّ، أَو تدليسٌ، أَو تشبُّهٌ بأَهلِ الفُجورِ، أَو فتحُ بابِ التَّبرُّجِ والفتنَةِ.

فنفْخُ الشَّفتينِ والوجْهِ؛ إذا كانَ لمجرَّدِ الزِّينَةِ المصطنعَةِ، وتغييرِ الملامِحِ، وطلَبِ الحُسْنِ الزَّائِدِ؛ فهو من تغييرِ خَلْقِ اللهِ المحرَّمِ، ومن الاستسلامِ لثقافَةٍ ماديَّةٍ زائفَةٍ تختزلُ قيمَةَ الإنسانِ في لونِ بشرتِهِ، وشكلِ شفتيهِ، وتقاسيمِ وجهِهِ، وتغفلُ عن جمالِ دينِهِ، ونقاءِ خُلُقِهِ، ورجاحَةِ عقلِهِ.

يا عبدَ الله!

الجمالُ الحقيقيُّ ليسَ في وجْهٍ منفوخِ، ولا ملامِحَ مزيفَةِ، ولا جسَدٍ صُنعَ على مقاييسَ الشَّهوَةِ؛ إنَّما الجمالُ في قلبٍ عامِرٍ بالإيمانِ، ولسانٍ رطِبٍ بالذِّكرِ، وحياءٍ يحفظُ صاحبَهُ، ورضًا بما قسمَ اللهُ، وزينَةٍ لا تُغضبُ اللهَ تعالى.

ومن لم يرضَ عن خِلقَةِ اللهِ، فلنْ يرضى ولو غيَّرَ وجهَهُ أَلفَ مرَّةٍ؛ لأَنَّ المشكلَةَ ليسَتْ دائمًا في الصُّورَةِ، بلْ في القلبِ إذا فقدَ السَّكينَةَ والرِّضا.

فالواجبُ على المسلمِ والمسلمَةِ: 

أَن يتجمَّلا بما أَباحَ اللهُ، وأَن يبتعدَا عمَّا حرَّمَ اللهُ، وأَن لا يكونَ الجسَدُ ميدانًا لتلاعبِ الشَّيطانِ وأَهواءِ السُّوقِ وموضاتِ الإعلامِ.

اللَّهُمَّ! جمِّلْنا بالإيمانِ، وزيِّنَّا بالحياءِ، وارضِّنا بما قسمتَ لنا، واحفظنا من فتنَةِ الصُّورَةِ، ومن تغييرِ خَلْقِكَ طلَبًا لرضا الخَلْقِ.. آمين.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

»حالُ المسلمينَ بينَ الدَّاءِ والدَّواءِ«:

Next
Next

»فقهُ المآلِ وسَدُّ ذريعَةِ الفتنَةِ« عندَ أَئمَّةِ أَهلِ السُّنَّةِ والجماعَةِ..