»حالُ المسلمينَ بينَ الدَّاءِ والدَّواءِ«:
سلسلَةُ بصائِرَ في المنهَجِ والواقِعِ (٤١):
أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!
اعلمْ - سدَّدكَ اللهُ - أَنَّ النَّاظرَ في حالِ الأُمَّةِ المنكوبَةِ اليومَ يَرى واقعًا يُحزِنُ القلوبَ: ضعفًا بعدَ قوَّةٍ، وافتراقًا بعدَ اجتماعٍ، وتنازعًا بعدَ أُخوَّةٍ، وتشتُّتًا بعدَ وحدَةٍ، واشتغالًا بالخلافاتِ الجزئيَّةِ عن القضايا الكُبرى؛ حتَّى صارَ كثيرٌ من المسلمينَ يعيشونَ بينَ أَلمِ الاستضعافِ، ومرارَةِ التبعيَّة، وتيهِ التَّخبُّطِ، وغُربَةِ الدِّينِ في ديارِ المسلمينَ.
* وليسَ هذا البلاءُ بِلا سبَبٍ؛ فإنَّ اللهَ تعالى يقول:
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: 30].
* فمِن أَعظمِ أَسبابِ هذا الضُّعْفِ والهَوانِ:
ضَعْفُ الصِّلَةِ بالوحيَين الشَّريفَين، وقِلَّةُ تعظيمِهما، وانتشارُ الجهلِ بدينِ اللهِ، وغيابُ العلمِ الرَّاسخِ وأَهلِهِ الرَّبَّانيينَ، وضَعفُ فقهِ الواقعِ والأَولويَّاتِ والمآلاتِ، وكثرَةُ التَّنازعِ والتَّعصُّبِ الأَعمى للأَشخاصِ والجماعاتِ والأَحزاب؛ حتَّى صارتْ هذِهِ الأُمَّةُ المرحومَةُ تستهلِكُ قوَّتَها في صراعاتٍ داخليَّةٍ، بدلَ أَن تجمَعَ كلمتَها على الحقِّ والهُدى، وتتراحمَ فيما بينها؛ لتنالَ رحمةَ اللهِ وبركتَهُ!
* ومن أَسبابِ البلاءِ كذلكَ:
انتشارُ الذُّنوبِ والمعاصي، وشيوعُ الظُّلمِ والأَنانيَّةِ وحُبِّ الذَّاتِ، وغيابُ العَدْلِ والإنصافِ، وضَعفُ الأَمانَةِ في مواقعِ المسؤوليَّةِ، وتقديمُ أَهلِ الهوى والمصالحِ على أَهلِ العلمِ والصِّدْقِ والكفاءَةِ، والانبهارُ بالأُممِ الغالبَةِ، والغفلَةُ عن سُننِ اللهِ في النُّهوضِ والتَّمكينِ.
وقد قالَ تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
* فالخطرُ الحقيقيُّ ليسَ في قوَّةِ العدوِّ الخارجيِّ وحدَها؛ بلِ الخطرُ الأَعظمُ أَنْ تُهزمَ الأُمَّةُ من داخلِها: حينَ يضعفُ إخلاصُها، ويخبو إيمانُها، ويقلُّ علمُها، وتفسدُ أَخلاقُها، وتتصدَّعُ وحدتُها، وتذبلُ أُخوَّتُها، وتضيعُ أُلْفَتُها، ويغيبُ وعيُها، ويختلُّ ميزانُ العدلِ والإنصافِ فيها.
* وطريقُ النَّجاةِ؛ ليسَ بالشِّعاراتِ الجوفاءِ، ولا بالإعلاناتِ المُبهِرَةِ، ولا بالانفعالاتِ العاطفيَّةِ، ولا بتبادُلِ الاتِّهاماتِ والمعاركِ الكلاميَّةِ والرُّدودِ الدَّويَّةِ؛ إنَّما طريقُ الخلاصِ يبدأُ منَ الرُّجوعِ الصَّادقِ إلى اللهِ حقًّا، وتحقيقِ التَّوحيدِ صِدقًا، وتعظيمِ الوحيَينِ عملًا، ولزومِ منهجِ أَهلِ العلمِ الرَّاسخينَ، وتربيَةِ الأَجيالِ على الإيمانِ الصَّادِقِ، والعلْمِ النَّافعِ، والعمَلِ الصَّالحِ، والبصيرَةِ في الدَّعوَةِ، والصَّبرِ على أَذى الجاهلِ، والحِلمِ على المخالفِ.
* ولا نجاةَ للأُمَّةِ إلَّا بوحدَةٍ على الحقِّ لا على الباطلِ، وباجتماعٍ على الشَّريعَةِ الغرَّاءِ لا على الأَهواءِ، وبتقديمِ ثوابتِ الدِّينِ على ما دونَها منَ الأُمورِ التي يَسوغُ فيها الخلافُ السَّائغِ، وبإصلاحِ القلوبِ قبلَ إصلاحِ الشِّعاراتِ، وبنشرِ العلمِ النَّافعِ قبلَ الخُصوماتِ، وبإحياءِ الأُخوَّةِ الإيمانيَّةِ، وحفظِ الدِّماءِ، ونُصرَةِ المظلومِ، والأَمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عنِ المنكرِ بحكمَةٍ وبصيرَةِ، وإعدادِ القوَّةِ المشروعَةِ في ميادينِ العلْمِ والتربيَةِ والاقتصادِ والإعلامِ والسِّياسَةِ والاجتماعِ.
* إنَّ اللهَ تعالى لا يغيِّرُ حالَ قومٍ حتَّى يغيِّروا ما بأَنفسِهم؛ فإذا تغيَّرت القلوبُ بالإيمانِ، والعقولُ بالعلْمِ، والسُّلوكُ بالتَّقوى، والمجتمعاتُ بالعَدْلِ والتَّراحمِ، عادتْ للأُمَّةِ عافيتُها بإذنِ اللهِ عزَّ وجلَّ.
* فالواجبُ على المسلمِ الصَّادقِ اليومَ: أَنْ يبدأَ بنفسِهِ مجاهدًا لها، ويُصلحَ بيتَهُ وأَهلَهُ ومَن حولَهُ، ويخدِمَ دينَهُ وأُمَّتَه، ويجمعَ ولا يُفرِّق، ويبنيَ ولا يهدم، وينصحَ ولا يفضح، ويثبتَ على الحقِّ؛ بلا غلوٍّ ولا جفاءٍ، وبلا يأْسٍ ولا تهوُّرٍ.
اللَّهُمَّ! أَصلِحْ حالَ المسلمينَ، واجمعْ كلمتَهم على الحقِّ والهُدى، وارفعْ عنهم الضَّعفَ والفرقَةَ والذلَّ، وولِّ عليهم خيارَهم، واكفِهم شرَّ أَعدائِهم، واجعلْ لهم من كلِّ همٍّ فرجًا، ومن كلِّ ضيقٍ مخرجًا؛ يا ربَّ العالمين.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

