»الجزاءُ من جنسِ العمَلِ« ميزانُ العَدْلِ الإلهيِّ:

سلسلَةُ بصائِرَ في المنهَجِ والواقِعِ (٤٧):

أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!

اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ لطاعتِهِ - أَنَّ من أَعظمِ سننِ اللهِ الجاريَةِ في عبادِهِ: أَنَّ »الجزاءَ من جنسِ العمَلِ«؛ فمَن زرعَ خيرًا حصدَ خيرًا، ومَن بذَرَ شرًّا عادَ عليهِ شرُّهُ، وما ربُّكَ بظلَّامٍ للعبيدِ.

وهذِهِ قاعدَةٌ قرآنيَّةٌ عظيمَةٌ، دلَّ عليها قولُ اللهِ تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠].

وقال تعالى: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩].

وقال تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦]. 

أَي: جزاءً موافقًا للعمَلِ، مناسبًا لهُ، دائرًا معهُ عدلًا وحكمَةً.

- فمَن رحمَ عبادَ اللهِ رحمَهُ اللهُ، ومَن سترَ مسلمًا سترَهُ اللهُ، ومَن يسَّرَ على مُعسرٍ يسَّرَ اللهُ عليهِ، ومَن فرَّجَ عن مؤْمنٍ كربَةً فرَّجَ اللهُ عنهُ كربَةً من كُرَبِ يومِ القيامَةِ.

قالَ النَّبيُّ : »الرَّاحمونَ يرحمُهُمُ الرَّحمنُ؛ ارحَمُوا مَنْ في الأَرضِ يرحَمْكُمْ مَنْ في السَّماءِ« [أبو داود: ٤٩٤١].

- ومن جهَةٍ أُخرى: مَن ظلمَ عوقبَ بظلمِهِ، ومَن مكرَ عادَ مكرُهُ عليهِ، ومَن تتبَّعَ عوراتِ النَّاسِ تتبَّعَ اللهُ عورتَهُ، ومَن خذلَ الحقَّ عندَ قدرتِهِ ابتُليَ بمَن يخذلُهُ عندَ حاجتِهِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿وَلَا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]. 

ويقول: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣].

وهذِهِ السُّنَّةُ ليسَتْ انتقامًا مجرَّدًا، بلْ هي عدْلٌ ربَّانيٌّ، وتربيَةٌ إيمانيَّةٌ؛ ليعلمَ العبدُ أَنَّ أَعمالَهُ لا تضيعُ، وأَنَّ أَثرَها راجعٌ إليهِ في الدُّنيا أَو الآخرَةِ؛ عاجلًا أَو آجلًا، ظاهرًا أَو خفيًّا.

فطوبى لمن جعلَ هذِهِ القاعدَةَ أَمامَ عينَيهِ؛ فإذا أَرادَ أَن يُعامَلَ بالرَّحمَةِ رحِمَ، وإذا أَحبَّ أَن يُستَرَ سُتَرَ، وإذا طلَبَ أَن يُغفَرَ لهُ غفرَ للنَّاسِ زلَّاتهم، وإذا تمنَّى أَن ينصرَهُ اللهُ نصرَ الحقَّ وأَهلَهُ.

واحذرْ - رحمكَ اللهُ - أَن تزرعَ في طريقِ النَّاسِ شوكًا، ثم تنتظرَ أَن ينبتَ لكَ وردًا؛ أَو أَن تُطلقَ لسانَكَ في أَعراضِ الخلْقِ، ثم تطمَعَ أَن تُصانَ كرامتُكَ من أَلسنتِهم؛ أَو أَن تُغلِقَ أَبوابَ الخيرِ في وجوهِ المحتاجينَ، ثم ترجوَ أَن تُفتحَ لكَ أَبوابُ الفرجِ عندَ الشَّدائِدِ.

فاللَّبيبُ مَن راقبَ عملَهُ قبلَ أَن يراقبَ جزاءَهُ، وعلمَ أَنَّ اللهَ لا يضيعُ مثقالَ ذرَّةٍ، وأَنَّ مَن عامَلَ الخلْقَ بالإحسانِ عاملَهُ اللهُ بالفضلِ والإحسانِ، ومَن عاملَهم بالظُّلمِ والبغي خافَ على نفسِهِ من عدْلِ الملكِ الدَّيَّانِ.

فاللَّهُمَّ! اجعلنا من أ!هلِ الإحسانِ الذينَ يُحسِنونَ إلى عبادِكَ طلبًا لمرضاتِكَ، وجنِّبنا الظُّلمَ والبغيَ وسوءَ العاقبَةِ، وارزقنا عملًا صالحًا نلقى بهِ جزاءَكَ الحسنَ، يا أَرحمَ الرَّاحمينَ.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

مَن خانَ السِّرَّ؛ فضحَهُ اللهُ ولو في عُقرِ دارِهِ:

Next
Next

حقيقَةُ الدَّعوَةِ في زمنِ الجهْلِ والفِتنِ..