مَن خانَ السِّرَّ؛ فضحَهُ اللهُ ولو في عُقرِ دارِهِ:

سلسلَةُ بصائِرَ في المنهَجِ والواقِعِ (٤٨):

أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!

اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ لطاعتِهِ - أَنَّ من أَعظمِ دلائلِ صدقِ الإيمانِ: «تقوى اللهِ في السِّرِّ والعلَنِ»؛ فإنَّ مَن راقبَ اللهَ تعالى حينَ يغيبُ عنهُ نظرُ النَّاسِ، فقدْ صدَقَ في عبوديَّتِهِ، ومَن تجرَّأَ على محارمِ اللهِ في الخلواتِ، خِيفَ عليهِ أَن تُهتَكَ أَستارُهُ، وأَن يفضحَهُ اللهُ من حيثُ لا يحتسب.

فليستِ العِبرةُ بصورةِ العبدِ بينَ النَّاسِ، ولا بحُسنِ عبارتهِ، ولا بكثرَةِ مواعظِهِ؛ وإنَّما العِبرَةُ بحالِ قلبِهِ إذا خلا بربِّهِ، وبموقفِهِ إذا أُغلِقَتِ الأَبوابُ، وغابَ الرَّقيبُ من الخلْقِ، ولم يبقَ إلَّا نظرُ اللهِ إليه.

قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].

وقالَ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢].

فيا عبدَ اللهِ!

لا تجعلْ بينَكَ وبينَ النَّاسِ حجابًا من الصَّلاحِ الظَّاهرِ، ثم تخرقْ بينَك وبينَ اللهِ حجابَ الحياءِ والخوفِ؛ فإنَّ اللهَ يمهلُ ولا يُهملُ، ويسترُ على عبدِهِ ليتوبَ لا ليغترَّ، ويفتحُ لهُ بابَ الرُّجوعِ لا بابَ الإصرارِ.

ومَن صدقَ معَ اللهِ في خلواتِهِ؛ أَلبسَهُ اللهُ نورَ القبولِ في جلواتِهِ، ومَن خانَ اللهَ في سرِّهِ؛ خِيفَ عليهِ أَن يَظهرَ أَثرُ خيانتِهِ في علانيتِهِ، ولو بعدَ حين.

فالعبرَةُ ليسَتْ بصورَةِ العبدِ أَمامَ النَّاسِ؛ بلْ بحقيقتِهِ عندَ اللهِ؛ فقدْ يُحسِنُ الإنسانُ خطابَهُ، ويُجمِّلُ ظاهرَهُ، ويُخفي فسادَهُ؛ لكنَّهُ لا يستطيعُ أَن يهربَ من نظرِ اللهِ إليهِ. 

ومَن استهانَ بنظرِ اللهِ في الخلواتِ، وكبُرَ في قلبِهِ نظرُ المخلوقينَ؛ فقدْ ضعفَتْ مراقبتُهُ، واضطربَ ميزانُهُ.

وقدْ قالَ بعضُ السَّلفِ: (مَن أَصلَحَ سريرتَهُ أَصلحَ اللهُ علانيتَهُ، ومَن أَفسَدَ سريرتَهُ أَفسَدَ اللهُ علانيتَهُ)

فالسِّرائرُ لا تموتُ في القلوبِ؛ بلْ تظهرُ آثارُها على الوجوهِ والأَلسنَةِ والأَعمالِ، وربما أَظهرَ اللهُ خفايا العبدِ في عقرِ دارِهِ، وبينَ أَقربِ النَّاسِ إليهِ؛ ليعلمَ أَنَّ سترَ اللهِ لا يُغالب، وأَنَّ حِلْمَهُ لا يُغترُّ بهِ.

فإيَّاكَ - رحمكَ اللهُ - أَن تجعلَ اللهَ أَهونَ النَّاظرينَ إليكَ؛ تستحيي من النَّاسِ ولا تستحيي من رَبِّ النَّاسِ، وتغلقُ الأَبوابَ على معصيَةٍ، وتنسى أَنَّ اللهَ لا تُغلَقُ دونَهُ الأَبواب، ولا تخفى عليهِ الخفايا.

والسَّعيدُ مَن جعلَ خلواتِهِ ميدانًا للتَّوبَةِ والذِّكرِ والبُّكاءِ بينَ يدي اللهِ، لا ميدانًا للجرأَةِ على الحرامِ؛ فإنَّ للذُّنوبِ الخفيَّةِ آثارًا خفيَّةً، وللطَّاعاتِ الخفيَّةِ أَنوارًا ظاهرَةً.

فاللَّهُمَّ! ارزقنا خشيتَكَ في الغيبِ والشَّهادَةِ، وطهِّرْ سرائرَنا، واجعلْها خيرًا من علانيتِنا، واجعلْ علانيتَنا صالحةً، واسترْ عوراتِنا، وآمِنْ رَوْعاتِنا، ولا تفضحْنا بذنوبِنا، ولا تؤاخِذْنا بما تُبْديهِ أَلسنتُنا وتُخالِفُهُ قلوبُنا، ولا تكلْنا إلى أَنفسِنا طرفةَ عينٍ، واجعلْ خلواتِنا عامرَةً بمراقبتِكَ، وجلواتِنا شاهدَةً بطاعتِكَ؛ يا ستِّيرُ يا رحيمُ، يا أَرحمَ الرَّاحمين!

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

»الدُّعاةُ وتقوى السَّرائرِ«:

Next
Next

»الجزاءُ من جنسِ العمَلِ« ميزانُ العَدْلِ الإلهيِّ: