»الدُّعاةُ وتقوى السَّرائرِ«:
سلسلَةُ بصائِرَ في المنهَجِ والواقِعِ (٤٩):
أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!
اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ وسدَّدَكَ - أَنَّ الدَّاعيةَ إلى اللهِ تعالى أَولى النَّاسِ بتقوى اللهِ في السِّرِّ والعلَنِ؛ لأَنَّهُ لا يحملُ مجرَّدَ كلماتٍ تُقال، ولا مواعظَ تُلقى؛ بل يحملُ أَمانةَ البلاغِ، وصورةَ الدِّينِ في أَعينِ النَّاسِ.
فليسَ الخطرُ على الدَّاعيةِ أَن يضعفَ بيانُهُ فحسب؛ بل الخطرُ الأَكبرُ أَن يَجْمُلَ خطابُهُ وتفسدَ سريرتُهُ، وأَن يَعِظَ النَّاسَ عن الخشيَةِ وهو قليلُ الخشيَةِ، ويدعوَهم إلى مراقبةِ اللهِ وهو يتهاونُ بمحارمِ اللهِ في خلواتِهِ.
إنَّ آفةَ الدَّاعيةِ ليستْ في قلَّةِ الكلامِ، بل في انفصالِ الكلامِ عن الحقيقة؛ أَن يكونَ لسانُهُ داعيًا إلى اللهِ، وقلبُهُ أَسيرًا لهواهُ، وأَن يُحسِنَ صناعةَ الصُّورَةِ أَمامَ الخلقِ، ويغفلَ عن إصلاحِ السَّريرةِ بينَهُ وبينَ الخالقِ.
قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤].
وقالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: ٢-٣].
وقالَ تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].
وفي الحديثِ: »اتَّقِ اللهَ حيثما كُنْتَ«.
فالتَّقوى لا تكونُ في المنابرِ والمجالسِ وحدَها؛ بل حيثما كانَ العبدُ: في خلوتهِ وجلوتهِ، وفي غيبتَهِ وحضورَهِ، وفي حالِ قوَّتهِ وضعفِهِ.فالدَّعوةُ لا يُباركُ اللهُ فيها بمجردِ فصاحَةِ اللِّسانِ، ولا بكثرةِ المتابعينَ، ولا بحُسنِ ترتيبِ العباراتِ؛ وإنَّما يُباركُ فيها بصدقِ القلبِ، وطهارَةِ القصدِ، ومراقبةِ اللهِ حيثُ لا يراكَ النَّاسُ.
وإنَّ من أَخطرِ الآفاتِ أَن يعتادَ الدَّاعيةُ صناعَةَ الصُّورَةِ أَمامَ الخلقِ، وينسى إصلاحَ الحقيقَةِ بينَهُ وبينَ الخالقِ؛ فيظهرَ بمظهرِ النَّاصحِ الأَمينِ، ثم يخلو بما لا يرضاهُ ربُّ العالمينَ.
ومَن لم يتَّقِ اللهَ في سرِّهِ؛ خِيفَ عليهِ أَن يفضحَهُ اللهُ في عُقرِ دارِهِ، وبينَ أَقربِ النَّاسِ إليهِ؛ لأَنَّ اللهَ يُمهلُ ولا يُهملُ، ويسترُ على عبدِهِ ليتوبَ لا ليغترَّ بالسِّتر؛ فالسَّرائرُ خزائنُ الأَعمالِ، وما كانَ للهِ بقيَ وباركَ، وما كانَ للنَّاسِ انكشفَ وذهبَ أَثرُهُ، وإن طالَ بهِ الزَّمانُ.
فيا حاملَ أَمانةَِ الدَّعوَةِ!
اتَّقِ اللهَ في خلواتِكَ قبلَ جلواتِكَ، وفي قلبِكَ قبلَ لسانِكَ، وفي سريرتِكَ قبلَ صورتِكَ؛ فإنَّ النَّاسَ قد تنخدعُ بحُسنِ البيانِ، أَمَّا اللهُ فلا تخفى عليهِ خافيةٌ.
لا تجعلِ المنابرَ تُعوِّضُكَ عن المحاريبِ، ولا تجعلْ كثرةَ الكلامِ عن اللهِ تُنسيكَ كثرةَ الوقوفِ بينَ يدي اللهِ؛ فالنَّاسُ قد تنخدعُ بالعبارةِ، لكنَّ اللهَ لا تخفى عليهِ السَّريرةُ.
- ومَن صدقَ مع اللهِ في سرِّهِ؛ باركَ اللهُ في قولِهِ، وجعلَ لكلماتِهِ أَثرًا في القلوبِ.
- ومَن خانَ اللهَ في خلواتِهِ؛ خِيفَ عليهِ أَن تُسلبَ من كلامِهِ البركةُ، ولو بقيتْ له فصاحةُ العبارةِ وحُسنُ الحضورِ.
يا دُعاةَ الحقِّ!
مَن أَرادَ أَن يُصلحَ النَّاسَ؛ فليبدأْ بإصلاحِ نفسِهِ، ومَن أَرادَ أَن تهتزَّ القلوبُ بكلامِهِ؛ فليجعلْ كلامَهُ خارجًا من قلبٍ يهتزُّ خوفًا من اللهِ؛ فإنَّ الكلمةَ إذا خرجتْ من قلبٍ صادقٍ وقعتْ في قلبٍ حيٍّ، وإذا خرجتْ من لسانٍ مجرَّدٍ لم تتجاوزِ الآذانَ إلَّا قليلًا.
فالدَّاعيَةُ الذي يخافُ اللهَ في الخلواتِ يضعُ اللهُ لكلامِهِ قبولًا، ويجعلُ لوجهِهِ نورًا، ولدعوتِهِ أَثرًا، ولو قلَّ كلامُهُ؛ لأَنَّ البركةَ ليسَتْ في ضجيجِ العبارَةِ، بل في صدقِ السِّريرَةِ.
فاللَّهُمَّ! اجعلْ دعوتَنا خالصةً لوجهِكَ، وطهِّرْ سرائرَنا من الرِّياءِ والخيانةِ، واجعلْ خلواتِنا عامرةً بمراقبتِكَ، وجلواتِنا شاهدةً بطاعتِكَ، ولا تجعلْ علمَنا حُجَّةً علينا، ولا كلامَنا وبالًا على قلوبِنا.
اللَّهُمَّ! أصلحْ سرائرَ الدُّعاةِ، وطهِّرْ مقاصدَهم، واجعلْ خلواتِهم خيرًا من علانيتِهم، ولا تجعلْ دعوتَهم حُجَّةً عليهم، واسترْ عيوبَهم، واهدِهم سواءَ السَّبيلِ، يا ربَّ العالمينَ، يا أَرحمَ الراحمين.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

