»الدُّعاةُ وفتنَةُ السَّرائِرِ« حينَ تُهتكُ الخلواتُ في عُقرِ الدَّارِ:

سلسلَةُ بصائِرَ في المنهَجِ والواقِعِ (٥٠):

أَخي الدَّاعيَةَ اللَّبيبَ!

اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ وسدَّدكَ - أَنَّ قِوامَ الاستقامَةِ ليسَ في جمالِ الظاهرِ وحدَهُ، ولا في قوَّةِ البيانِ وحُسنِ العبارَةِ فحسب؛ بلْ أَصلُها الأَعظمُ: »عمارَةُ الباطنِ، وصلاحُ السَّريرَةِ، ومراقبَةُ اللهِ في الغيبِ والشَّهادَة«.

وإذا كان عامَّةُ المسلمينَ مأْمورينَ بتقوى اللهِ في السِّرِّ والعلنِ؛ فإنَّ الدُّعاةَ والعلماءَ وطلبَةَ العلمِ أَولى النَّاسِ بهذا المقامِ؛ لأَنَّهم يحملونَ أَمانَةَ البلاغِ، ويقفونَ للنَّاسِ مقامَ القدوَةِ، وبصلاحِ سرائرِهم تُفتحُ القلوبِ، وبفسادِها تُسلبُ البركَةِ، ويقعُ الخذلانِ.

قال اللهُ تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، وقال: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.

- فليسَتْ العبرَةُ أَن يراكَ النَّاسُ واعظًا؛ بلْ أَن يراكَ اللهُ خاشعًا. 

- وليسَتْ الكرامَةُ أَن تُحسنَ الكلامَ عن التَّقوى؛ بلْ أَن تُحسنَ التَّقوى حينَ لا يراكَ أَحدٌ من الخلْقِ.

وإنَّ من أَخطرِ الآفاتِ على الدَّاعيَةِ أَن يلبسَ أَمامَ النَّاسِ لَأْمَةَ الورعِ، ويدعوَهم إلى مراقبَةِ اللهِ، ثم إذا خلا بمحارمِ اللهِ انتهكَها، وإذا أُغلقتِ الأَبوابُ عليهِ نسيَ أَنَّ اللهَ لا تُغلَقُ دونَهُ الأَبواب، ولا تخفى عليهِ الخفايا.

وهُنا تقعُ المصيبَةُ الكُبرى: تضعفُ بركةُ الكلمَةِ، وتبردُ حرارَةُ الموعظَةِ، وتُسلَبُ الهيبَةُ من الخطابِ، وربما سقطَ صاحبُهُ من القلوبِ من حيثُ لا يشعر؛ لأَنَّ للذُّنوبِ الخفيَّةِ آثارًا لا تخفى، وللخلواتِ الفاسدَةِ عواقبَ تظهرُ ولو بعدَ حين؛ فالكلمةُ التي لا يَسندُها صدقُ السِّريرةِ تبقى جميلَةَ اللَّفظِ ضعيفَةَ الأَثرِ، وربما أُعجبَ النَّاسُ بفصاحتِها، ولكنَّها لا تُوقظُ القلوبَ؛ لأَنَّ حياةَ الموعظَةِ من حياةِ صاحبِها معَ اللهِ تعالى.

وقدْ جَرَتْ كلمَةُ بعضِ العارفينَ: (مَن أَصلحَ ما بينَهُ وبينَ اللهِ؛ أَصلحَ اللهُ ما بينَهُ وبينَ النَّاسِ. ومَن أَفسدَ سريرتَهُ، أَظهرَ اللهُ أَثرَ ذلكَ في علانيتِهِ ولو بعدَ حينٍ).

فما تُضمِرُهُ السَّرائرُ لا يضيعُ أَثرُهُ؛ بل يفيضُ على الوجوهِ، ويظهرُ في فلتاتِ الأَلسنَةِ، وتُصدِّقُهُ الأَعمالُ أَو تُكذِّبُهُ، وربما كشَفَ اللهُ من خبيئَةِ العبدِ ما كانَ يظنُّهُ مطمورًا؛ ليعلمَ أَنَّ السِّترَ ابتلاءٌ بالشُّكرِ والتَّوبَةِ، لا رخصَةٌ في الغفلَةِ والتَّمادي.

وليسَتِ الفضيحَةُ دائمًا أَن يُكشَفَ الذَّنبُ للنَّاسِ صراحَةً؛ فقد تكونُ بسقوطِ الهيبةِ في البيتِ، أَو نفورِ الزَّوجَةِ والولدِ، أَو ذهابِ القبولِ من القلوبِ، أَو زوالِ نعمَةٍ مادِّيَّةٍ أَو معنويَّةٍ، أَو انكشافِ المستورِ بزَلَّةٍ يسيرَةٍ ساقتها الأَقدارُ، أَو بانتكاسَةٍ تهدمُ ما بناهُ الإنسانُ في أَعوامٍ طويلَةٍ!

يا دعاةَ الحقِّ!

لا تجعلوا المنابرَ بديلًا عن المحاريبِ، ولا تجعلوا كثرَةَ الكلامِ عن اللهِ تُنسيكم طولَ الوقوفِ بينَ يدي اللهِ؛ فإنَّ الدَّعوَةَ لا تحيا بالفصاحَةِ وحدَها، ولا تُبارَكُ بكثرَةِ المتابعينَ، ولا تُثمرُ بحُسنِ صناعَةِ الصُّورَةِ أَمامَ النَّاسِ؛ وإنَّما حياتُها بصدْقِ القلبِ، وطهارَةِ القصْدِ، وخشيَةِ اللهِ في الخلواتِ قبلَ الجلواتِ.

فليكنْ للدَّاعيَةِ رصيدٌ خفيٌّ عندَ اللهِ: ركعاتٌ في جوفِ الليلِ، وصدقَةٌ لا يطَّلعُ عليها أَحدٌ، ودمعَةٌ في ظلمَةِ السَّحَرِ، واستغفارٌ صادقٌ بعدَ عَثرةٍ، وتوبَةٌ نصوحٌ بينَهُ وبينَ ربِّهِ؛ فإنَّ ذنوبَ الخلواتِ تهدمُ من حيثُ لا يشعرُ العبدُ، كما أَنَّ عباداتِ الخفاءِ تُثبِّتُهُ من حيثُ لا يحتسبُ.

فاللَّهُمَّ! إنَّا نبرأُ إليكَ من النِّفاقِ والرِّياءِ وخيانَةِ السَّرائرِ، ونسأَلُكَ خشيتَكَ في الغيبِ والشَّهادَةِ، وكلمَةَ الحقِّ في الرِّضا والغضَبِ.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

لا تُحمِّلوا الإسلامَ؛ أَخطاءَ المنتسبينَ إليهِ:

Next
Next

»الدُّعاةُ وتقوى السَّرائرِ«: