لا تُحمِّلوا الإسلامَ؛ أَخطاءَ المنتسبينَ إليهِ:

سلسلَةُ بصائِرَ في المنهَجِ والواقِعِ (٥١):

أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!

اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ للعدلِ والإنصافِ - أَنَّ من أَعظمِ الخللِ في هذا الزَّمانِ؛ أَن يرى بعضُ النَّاسِ خطأَ شخصٍ منتسبٍ إلى الإسلامِ، أَو زلَّةَ داعيَةٍ، أَو ذنبَ مسلمٍ؛ فيجعلَ ذلكَ سُلَّمًا للطَّعنِ في الإسلامِ نفسِهِ، أَو الهجومِ على جماعَةِ المسلمينَ، أَو التَّشكيكِ في أَحكامِ الشَّريعَةِ الغرَّاءِ.

وهذا من الظُّلمِ البيِّنِ، ومن تلبيسِ الشَّيطانِ:

- فإنَّ الخطأَ يُنسبُ إلى صاحبِهِ، ولا يُنسَبُ إلى الدِّينِ الذي نهى عنهُ. 

- والمعصيَةُ تُنكرُ على فاعلِها، ولا تُجعلُ حُجَّةً على الإسلامِ الذي حرَّمها. 

- والانحرافُ يُردُّ على صاحبِهِ، ولا يُتَّخَذُ ذريعَةً لسَبِّ الشَّريعَةِ أَو إسقاطِ أَهلِها.

* فإذا أَخطأَ مسلمٌ، فقلْ: أَخطأَ فلانٌ؛ أَصلحَهُ اللهُ.

* وإذا أَساءَ داعيَةٌ، فقلْ: هذِهِ زلَّةٌ تُردُّ، وصاحبُها يُنصحُ.

* وإذا انحرفَ منتسبٌ إلى الإسلامِ، فقلْ: هذا مخالفٌ لهدي الإسلامِ، لا ممثِّلٌ لَهُ.

= أَمَّا أَن تجعلَ خطأَ الفرْدِ سيفًا على عمومِ المسلمينَ، أَو تجعلَ ذنبَ شخصٍ مطعنًا في دينِ اللهِ؛ فهذا ذنبٌ عظيمٌ، وظُلمٌ للدِّينِ والخلْقِ معًا.

قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾، وقال جلَّ وعلا: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.

فدينُ اللهِ؛ لا يُحاكَمُ إلى تصرُّفاتِ العُصاةِ، ولا تُقاسُ الشَّريعَةُ بسلوكِ المقصِّرينَ، ولا يُعرَفُ الإسلامُ من زلَّاتِ المنتسبينَ إليهِ؛ بلْ يُعرَفُ من كتابِ اللهِ، وسُنَّةِ رسولِهِ ﷺ وهدي الصَّحابَةِ والقُرونِ المفضَّلَةِ، وما قرَّرهُ أَئمةُ الهُدى.

* ومن العجبِ أَنَّ بعضَ النَّاسِ إذا رأَى طبيبًا فاسدًا؛ لم يطعنْ في علمِ الطُّبِ!

- وإذا رأَى قاضيًا ظالمًا؛ لم يُلغِ أَصلَ العَدْلِ.

- وإذا رأَى تاجرًا غاشًّا لم يُبطلْ أَصلَ التِّجارَةِ.

= فإذا رأَى مسلمًا عاصيًا، أَو داعيَةً مخطئًا؛ جعلَ ذلكَ بابًا للطَّعنِ في الإسلامِ!!

وهذا ليسَ إنصافًا؛ بلْ هو هوى يبحثُ عن ذريعَةٍ.

نعم؛ نحن لا نُبرِّرُ الخطأَ، ولا نُعفي المخطئَ من النُّصحِ والمحاسبَةِ، ولا نجعلُ الدَّعوةَ ستارًا للذُّنوبِ والانحرافاتِ؛ لكنَّنا لا نقبلُ كذلكَ أَن تُحمَّلَ الشَّريعَةُ الغرَّاءُ أَوزارَ مَن خالفَها، ولا أَن يُوضَعَ الإسلامُ في قفصِ الاتهامِ بسببِ تقصيرِ بعضِ المنتسبينَ إليهِ.

فالمنهجُ الحقُّ أَن نقولَ: الحقُّ لا يسقطُ بتقصيرِ بعضِ أَهلِهِ، والباطلُ لا يصيرُ حقًّا بزينَةِ أَصحابِهِ، والإسلامُ محفوظٌ بكمالِهِ وعدلِهِ ورحمتِهِ، وأَخطاءُ المسلمينَ تُحاكَمُ إلى ميزانِ الشَّرعِ، ولا تُتَّخذُ معاولَ لهدمِ الشَّرعِ، أَو تشويهِ صورتِهِ.

فاحذَرْ - رحمكَ اللهُ - أَن يجعلَ الشَّيطانُ غضبَكَ من شخصٍ بابًا للطَّعنِ في الدِّينِ، أَو نفرتَكَ من جماعَةٍ طريقًا إلى سوءِ الظَّنِّ بالشَّريعَةِ، أَو تأَذِّيكَ من داعيَةٍ سببًا للانصرافِ عن الحقِّ؛ فإنَّ الإسلامَ دينُ اللهِ تعالى، لا يملكهُ أَحدٌ من الخلْقِ، ومَن أَساءَ من المسلمينَ؛ فإنَّما أَساءَ إلى نفسِهِ، ولا يُكدِّرُ صفاءَ الإسلامِ شيءٌ من أَخطاءِ المنتسبينَ إليهِ.

- والعاقلُ المنصِفُ؛ إذا رأَى خطأً سعى في إصلاحِهِ، وإذا رأَى زلَّةً نصحَ صاحبَها، وإذا رأَى انحرافًا ردَّهُ إلى ميزانِ الشَّرعِ بعدْلٍ وبصيرَةٍ.

- أَمَّا صاحبُ الهوى؛ فيتَّخذُ الخطأَ الفرديَّ حُجَّةً للطَّعنِ في الدِّينِ كلِّهِ، وهذا من أَبطلِ الباطلِ، وأَظهرِ الظُّلمِ، وأَدلِّ الدَّلائلِ على فسادِ الميزانِ.

فاللَّهُمَّ! ارزقنا العَدْلَ والإنصافَ، ولا تجعلْ أَخطاءَنا فتنَةً للنَّاسِ، ولا تجعلْ أَخطاءَ النَّاسِ فتنةً لنا، وثبِّتنا على الإسلامِ الحقِّ؛ حتَّى نلقاكَ، يا ربَّ العالمينَ.. آمين!

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

»الإسلامُ يُعرَفُ بالوحي؛ لا بالأَشخاص«:

Next
Next

»الدُّعاةُ وفتنَةُ السَّرائِرِ« حينَ تُهتكُ الخلواتُ في عُقرِ الدَّارِ: