»الإسلامُ يُعرَفُ بالوحي؛ لا بالأَشخاص«:
سلسلَةُ بصائِرَ في المنهَجِ والواقِعِ (٥٢):
أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!
اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ للحقِّ والثبات - أَنَّ معرفَةَ الإسلامِ الحقِّ لا تُبنى على التعلُّقِ بالأَشخاصِ، ولا على الانبهارِ بعالمٍ، أَو داعيَةٍ، أَو واعظٍ، أَو كاتبٍ، أَو شيخٍ محبوبٍ، أَو جماعَةٍ من الجماعاتِ؛ فإنَّ الأَشخاصَ مهما بلغوا من العلمِ والدَّعوةِ والصَّلاحِ؛ يبقَونَ بشرًا يُصيبونَ ويُخطئونَ، ويُؤخذُ من قولِهم ويُترك.
الإسلامُ دينُ اللهِ تعالى، وحقيقتُهُ لا تُعرَفُ من أَذواقِ النَّاسِ، ولا من انطباعاتِهم العاطفيَّةِ، ولا من أَسماءِ المنتسبينَ إليهِ في كلِّ زمانٍ؛ وإنَّما تُعرَفُ من كتابِ اللهِ، وسُنَّةِ رسولِهِ ﷺ وما كانَ عليهِ الصحابةُ الكرامُ، والتَّابعونَ العظامُ، وأَتباعُهم بإحسانٍ، وفي مقدِّمتِهم الأَئمَّةُ الأَربعَةُ وسائرُ أَئمَّةِ الهدى؛ فهؤلاءِ هم مرجعُ الفهمِ والاقتداءِ، لا الأَسماءُ المعاصرَةُ، ولا المحبوباتُ الشَّخصيَّةُ، ولا الانفعالاتُ العابرَةُ.
قال اللهُ تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾.
فإن أَردتَ القدوَةَ المعصومَةَ؛ فهي في رسولِ اللهِ ﷺ.
وإن أَردتَ الفهمَ المزكَّى؛ فهو فهمُ أَصحابِهِ رضيَ اللهُ عنهم، ومَن تبعَهم بإحسانٍ من القرونِ المفضَّلَةِ؛ الذين شهدَ لهم النَّبيُّ ﷺ بالخيريَّةِ، فقال: «خيرُ النَّاسِ قرني، ثم الذينَ يلونهم، ثم الذينَ يلونهم».
أَمَّا مَن جاءَ بعدَهم من العلماءِ والدُّعاةِ والوعَّاظِ والكتَّابِ والمصلحينَ؛ فإننا نحبُّ أَهلَ الفضلِ منهم، ونحفظُ مكانتَهم، وننتفعُ بعلمِهم، وندعو لهم؛ لكن لا نُسلِّمُ لهم تسليمَ العصمَةِ، ولا نجعلُهم معيارًا نهائيًّا للإسلامِ، ولا نربطُ الحقَّ بأَسمائِهم، ولا نردُّ النَّصوصَ لأَجلِ أَقوالِهم.
- فالعالمُ يُوقَّر؛ لكن لا يُعصم.
- والدَّاعيَةُ يُنصح لهُ؛ لكن لا يُقدَّس.
- والشَّيخُ يُحَبُّ في اللهِ؛ لكن لا يُجعلُ بديلًا عن الدَّليلِ.
- والجماعَةُ تُوزنُ بالحقِّ، ولا يُوزنُ الحقُّ بها.
ومن أَعظمِ أَبوابِ الفتنَةِ أَن يربطَ الإنسانُ دينَهُ بشخصٍ؛ فإذا استقامَ ذلكَ الشَّخصُ ثبتَ، وإذا زلَّ اضطربَ، وإذا انحرفَ شكَّ في الإسلامِ، وإذا سقطَ سقطَ معهُ قلبُهُ.
وهذا خللٌ في أَصلِ التعلُّق؛ لأَنَّ الإسلامَ محفوظٌ بحفظِ اللهِ، لا بحفظِ الأَشخاصِ، وكاملٌ بكمالِ الوحي، لا بكمالِ الدُّعاةِ.فالمنهجُ الحقُّ أَن نعرفَ الرِّجالَ بالحقِّ، لا أَن نعرفَ الحقَّ بالرِّجالِ!
فمَن وافقَ كتابَ اللهِ وسُنَّةَ رسولِهِ ﷺ وفهمَ سلفِ الأُمَّةِ قُبِلَ منهُ، ومَن خالفَ ذلكَ رُدَّ عليه كائنًا مَن كانَ؛ معَ حفظِ قدْرِ أَهلِ العلمِ والفضلِ والسَّابقَةِ.
نعم، نحتاجُ إلى العلماءِ الربَّانيين لفهمِ الدِّينِ، ونرجعُ إليهم في النَّوازلِ والفتاوى؛ لكن رجوعَ المتعلِّم إلى العالمِ رجوعُ استفادَةٍ واهتداءٍ، لا رجوعُ تعصُّبٍ وتقديسٍ.
فالحقُّ أَكبرُ من كلِّ أَحدٍ، والوحيُ فوقَ كلِّ قولٍ، ورسولُ اللهِ ﷺ هو الأُسوَةُ المطلقَةُ، وما سواهُ فتابعٌ لا متبوعٌ على الإطلاقِ.
فإياكَ - رحمكَ اللهُ - أَن تجعلَ إيمانَكَ معلَّقًا بسلوكِ شيخٍ، أَو ثباتِ داعيَةٍ، أَو شهرَةِ واعظٍ، أَو مواقفِ جماعَةٍ؛ فإنَّ القلوبَ التي تتعلَّقُ بالأَشخاصِ تضطربُ بسقوطِهم، وأَمَّا القلوبُ التي تتعلَّقُ بالوحي؛ فإنَّها تثبتُ ولو تغيَّرَ النَّاسُ.
فاللَّهُمَّ! عرِّفنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعَهُ، وعرِّفنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابَهُ، واجعلْ تعلُّقَنا بكتابِكَ وسُنَّةِ نبيِّكَ ﷺ ولا تجعلْ دينَنا تابعًا لأَهواءِ الرِّجالِ وزلَّاتِ الأَشخاصِ، يا ربَّ العالمينَ.. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

