»القدوَةُ أَمانَةٌ لا زينَةٌ«:
سلسلَةُ بصائِرَ في المنهَجِ والواقِعِ (٥٣):
أَخي الدَّاعيَةَ اللبيبَ!
اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ وسدَّدكَ - أَنَّ مقامَ القدوَةِ ليسَ مقامًا عاديًّا؛ فمَن تصدَّرَ للنَّاسِ معلِّمًا، أَو داعيَةً، أَو أَبًا، أَو أَخًا كبيرًا، أَو مربِّيًا؛ فقدْ صارَ منظورًا إليهِ، تُقرأُ دعوتُهُ في سمتِهِ قبلَ كلامِهِ، وفي أَخلاقِهِ قبلَ مواعظِهِ، وفي مشيتِهِ ولباسِهِ ومعاملتِهِ قبلَ دروسِهِ وخطبِهِ.
فالنَّاسُ لا ينظرونَ إلى القدوَةِ على أَنَّهُ فردٌ من عامَّةِ النَّاسِ فحسْبُ؛ بلْ يرونَهُ مثالًا لما يدعو إليهِ، وصورَةً عمليَّةً لما يتكلَّمُ بهِ؛ فإذا أَحسنَ، قالوا: هكذا أَثرُ الدِّينِ في أَهلِهِ، وإذا أَساءَ، قال الجاهلُ والمغرضُ: انظروا إلى المسلمينَ! وانظروا إلى أَهلِ الدَّعوَةِ!
ولهذا كانَ على الدَّاعيَةِ ومَن في مقامِ القُدوَةِ أَن يحمِلَ نفسَهُ على معاييرَ عاليَةٍ من الأَدَبِ والمروءَةِ والوقارِ؛ لا تصنُّعًا ولا رياءً، ولكنْ صيانَةً للدَّعوَةِ، وتعظيمًا للأَمانَةِ، ورحمَةً بالنَّاسِ الذينَ يتعلَّمونَ من أَفعالِهِ كما يتعلَّمونَ من أَقوالِهِ.
قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾.
فالقدوةُ لا تُبنى بحُسنِ البيانِ وحدَهُ، ولا يكفي صاحبَها أَن يقولَ الحقَّ بلسانِهِ؛ حتَّى يراهُ النَّاسُ في سمتِهِ وخُلقِهِ وحيائِهِ وأَمانتِهِ.
وليسَ المطلوبُ من الدَّاعيَةِ أَن يكونَ معصومًا، ولا مصطنعًا، ولا متكلِّفًا؛ ولكنَّ المطلوبَ أَن يكونَ صادِقًا معَ اللهِ، يقظًا في سلوكِهِ، مدركًا أَنَّ حركتَهُ محسوبَةٌ، وكلمتَهُ موزونَةٌ، وخطأَهُ ليسَ كخطأِ مَن لا تتعلَّقُ بهِ أَعينُ النَّاسِ ولا يقتدونَ بهِ.
وقدْ يكونُ الشَّيْءُ مباحًا في أَصلِهِ لغيرِهِ؛ لكنْ يتركُهُ صاحبُ القدوَةِ لأَنَّهُ لا يليقُ بمقامِهِ، أَو يفتحُ بابَ سوءِ الظَّنِّ، أَو يُذهِبُ هيبتَهُ، أَو يُضعِفُ أَثرَ دعوتِهِ، أَو يُنفِّرُ النَّاسَ من الخيرِ.
فليسَتِ المسأَلَةُ دائمًا مسأَلَةَ حلالٍ وحرامٍ مجرَّدٍ؛ بلْ فيها فقهُ المروءَةِ، وفقهُ المقامِ، وفقهُ المآلاتِ.
فكمْ من مباحٍ أَسقَطَ هيبَةَ داعيَةٍ، وكمْ من مزحَةٍ ثقيلَةٍ أَذهبَتْ وقارَ معلِّمٍ، وكم من لباسٍ مستهتَرٍ نفَّرَ النَّاسَ من صاحبِهِ، وكمْ من مشيَةٍ أَو لفظَةٍ أَو صورَةٍ في موضِعٍ غيرَ لائقٍ جعلَتِ النَّاسَ يزهدونَ في كلامٍ كانَ يمكنُ أَن ينفعَهمْ.
إنَّ الدَّاعيَةَ لا يمثِّلُ نفسَهُ وحدَها في نظرِ النَّاسِ؛ بلْ يمثِّلُ دعوتَهُ، ومن هُنا يعظمُ الخطرُ.
فإذا أَخطأَ العاميُّ، قالَ النَّاسُ: أَخطأَ فلانٌ. أَمَّا إذا أَخطأَ مَن لبسَ ثوبَ الدَّعوَةِ والقُدوَةِ، قالوا: هكذا أَهلُ الدِّينِ! وهكذا المتديِّنونَ!
وهُنا يكونُ الوبالُ أَعظمَ؛ لأَنَّ الذَّنبَ لم يَبقَ محصورًا في صاحبِهِ؛ بلْ صارَ فتنَةً لغيرِهِ، وتشويهًا لصورَةِ الحقِّ عندَ مَن لا يحسنُ التَّمييزَ.
فالواجبُ على الدُّعاةِ والمعلِّمينَ والآباءِ وأَصحابِ التَّأْثيرِ؛ أَن يراقبوا اللهَ في سرِّهم وعلنِهم، وأَن يحفظوا سمتَهم، ويهذِّبوا أَلفاظَهم، ويرتقوا بأَخلاقِهم، ويجعلوا من أَنفسِهم مفاتيحَ خيرٍ لا أَبوابَ فتنَةٍ.
وليسَ المطلوبُ من القدوَةِ أَن يعيشَ حياةً متصنَّعةً تخلو من البشريَّةِ؛ بلِ المطلوبُ أَن يعيشَ بشريَّتَهُ تحتَ سلطانِ التَّقوى، وأَن يعلمَ أَنَّ النَّاسَ يتأَثَّرونَ بالفعلِ أَكثرَ من الكلامِ، وأَنَّ الدَّعوَةَ الصَّادقَةَ ليسَتْ خطبَةً تُلقى؛ بلْ خُلُقٌ يُرى.
فيا مَن جعلكَ اللهُ في موضعِ نظرٍ وتأْثيرٍ:
احفظْ لباسَكَ من الابتذالِ، ولسانَكَ من السَّفَهِ، ومشيَكَ من الخيلاءِ، ومجالسَكَ من الخفَّةِ، ومزاحَكَ من سقوطِ المروءَةِ، وخلواتِكَ من خيانَةِ السَّريرَةِ؛ فإنَّ مقامَ القُدوَةِ أَمانَةٌ، ومَن قبلَ الأَمانةَ قبلَ معها ثِقلَها.
والمنهجُ الحقُّ في هذا البابِ: أَن تكونَ رحيمًا بالنَّاس، شديدًا على نفسِكِ، متواضعًا بِلا تذلُّلٍ، وقورًا بِلا كِبرٍ، قريبًا بِلا خفَّةٍ، صادِقًا بِلا تصنُّعٍ، ثابتًا بِلا جمودٍ.
فاللَّهُمَّ! أَصلحْ دعاةَ المسلمينَ ومعلِّميهم وآباءَهم ومربِّيهم، واجعلْهم قدوَةً في الخيرِ، ومفاتيحَ للهدايَةِ، ولا تجعَلْ زلَّاتِهم فتنَةً للنَّاسِ، ولا تجعلْ دعوتَهم حُجَّةً عليهم، واهدِهم لأَحسنِ الأَخلاقِ لا يهدي لأَحسنِها إلَّا أَنْتَ.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

