»الغايَةُ لا تُبرِّرُ الوسيلَةَ«:

سلسلَةُ بصائِرَ في المنهَجِ والواقِعِ (٥٤):

أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للعلمِ والعدْلِ - أَنَّ مقولَةَ: «الغايَةُ تُبرِّرُ الوسيلَةَ» قاعدَةٌ باطلَةٌ شرعًا وعقلًا؛ لأَنَّها تجعَلُ صلاحَ المقصدِ ذريعَةً إلى استعمالِ الكذبِ والظُّلمِ والغشِّ والخيانَةِ والعدوانِ.

والإسلامُ لا يحكمُ على الغايَةِ وحدَها؛ بلْ يحكمُ على «الغايَةِ والوسيلَةِ معًا»؛ فلا يكفي أَن يكونَ المقصَدُ حسنًا، بلْ لا بُدَّ أَن يكونَ الطَّريقُ المؤَدِّي إليهِ مشروعًا كذلكَ.

قال النَّبيُّ ﷺ: »مَن عمِلَ عملًا ليسَ عليهِ أَمرُنا؛ فهو رَدٌّ«.

وقال ﷺ: »إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلَّا طيِّبًا«.فالنيَّةُ الحسنةَُ لا تجعلُ الحرامَ حلالًا، ولا تحوِّلُ الباطلَ إلى حقٍّ: فمَن سرَقَ ليتصدَّقَ؛ فقدْ سرقَ، ومَن كذَبَ لخدمَةِ الدَّعوَةِ؛ فقدْ كذَبَ، ومَن زوَّرَ ليُوصلَ صالحًا إلى منصَبٍ؛ فقَدِ ارْتكَبَ الغِشَّ والخيانَةَ.

قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.

فحتَّى عداوَةُ الخصمِ لا تبيحُ ظلمَهُ، ولا الكذبَ عليهِ، ولا اتهامَهُ بما ليسَ فيهِ.

والمقابلُ الإسلاميُّ الصَّحيحُ لهذِهِ القاعدَةِ هو: »الغايَةُ المشروعَةُ لا تُطلَبُ إلَّا بوسيلَةٍ مشروعَةٍ، معَ مراعاةِ المصالحِ والمفاسدِ والمآلاتِ«.

ولهذا قرَّر العلماءُ أَنَّ: »الوسائِلَ لها أَحكامُ المقاصِدِ«؛ أَي إنَّ الوسيلَةَ تُوزنُ بميزانِ الشَّرْعِ، لا أَنَّ كلَّ وسيلَةٍ تصبحُ مباحَةً إذا حَسُنَ مقصدُ صاحبِها.

فلا تُنصَرُ السُّنَّةُ بالكذَبِ، ولا تُقامُ العدالَةُ بالظُّلمِ، ولا تُحمى الدَّعوَةُ بالخيانَةِ، ولا تُبنى المؤَسَّساتُ بالغِشِّ، ولا يتحقَّقُ الإصلاحُ بإفسادِ الضمَّائِرِ.

وفي واقعِنا قدْ يقعُ بعضُ النَّاسِ في تزويرِ الأَخبارِ بحجَّةِ نصرَةِ قضيَّةٍ عادلَةٍ، أَو إقصاءِ الأَكفاءِ بحجَّةِ حمايَةِ المؤَسَّسَةِ، أَو نقضِ العهودِ بحجَّةِ المصلحَةِ، أَو استعمالِ المالِ الحرامِ في مشروعٍ خيريٍّ؛ وكلُّ ذلكَ باطلٌ، لأَنَّ صلاحَ الاسمِ لا يُطهِّرُ فسادَ الطَّريقِ.

أَمَّا الضَّروراتُ والرُّخَصُ الشَّرعيَّةُ؛ فهيَ ليسَتْ من بابِ «الغايَةِ تبرِّرُ الوسيلَةَ»؛ لأَنَّها أَحكامٌ شرعيَّةٌ منضبطَةٌ بالحاجَةِ، ومقيَّدَةٌ بقدرِها، ولا يملكُ الإنسانُ أَن يفتحَ بابَها لهواهُ.

فالميزانُ الصَّحيحُ هو:»صلاحُ القَصْدِ، ومشروعيَّةُ الوسيلَةُ، ورُجحانُ المصلحَةِ، وسلامَةُ المآلِ«.

- ومَن طلبَ الحقَّ بالباطلِ؛ أَفسَدَ الحقَّ والباطلَ معًا!- ومَن أَرادَ إقامَةَ العَدْلِ بالظُّلمِ؛ أَقامَ ظُلمًا جديدًا يحمِلُ اسمَ العَدَالَةِ!

فاللَّهُمَّ! ارزقنا صدْقَ المقاصِدِ، وطهارَةَ الوسائِلِ، وبصيرَةً في المآلاتِ، ولا تجعَلْ غيرتَنا على الحقِّ بابًا إلى الظُّلمِ، ولا حرصَنا على الإصلاحِ ذريعَةً إلى الفسادِ.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

»صلحُ الحُدَيبيَة« فقهُ السِّياسَةِ والدَّعوَةِ:

Next
Next

»القدوَةُ أَمانَةٌ لا زينَةٌ«: