»صلحُ الحُدَيبيَة« فقهُ السِّياسَةِ والدَّعوَةِ:

سلسلَةُ بصائِرَ في المنهَجِ والواقِعِ (٥٦):

أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!

اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ وسدَّدَكَ - أَنَّ »صُلْحَ الحُدَيبيَةِ« لم يكنْ مجرَّدَ معاهدَةٍ تاريخيَّةٍ؛ بلْ كانَ مدرسَةً نبويَّةً كبرى في فقهِ السِّياسَةِ الشَّرعيَّة، وحُسنِ إدارَةِ الصِّراع، وترتيبِ الأَولويَّات، والنَّظرِ في المآلاتِ.

خرجَ النبيُّ ﷺ معتمرًا لا محاربًا؛ فمنعتْه قريشٌ من دخولِ مكَّة، ثم جرى الصُّلحُ على شروطٍ بدا ظاهرُها شديدًا على المسلمين؛ حتى ثَقُلَ ذلك على نفوسِ بعضِ الصَّحابةِ رضيَ اللهُ عنهم، ولكنَّ الوحيَ سمَّاه »فتحًا مبينًا«: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾.

ومن أَعظمِ دروسِ الحُدَيْبِيَة:

- أَنَّ النَّصرَ لا يُقاسُ دائمًا بصورَةِ الغلبَةِ العاجلَةِ؛ فقدْ يكونُ النَّصرُ في حقنِ الدِّماءِ، وفتحِ أَبوابِ الدَّعوَةِ، وكسْرِ الحصارِ السِّياسيِّ، وانتزاعِ الاعترافِ الواقعيِّ بقوَّةِ الإسلامِ وأَهلِهِ.

- ومن دروسِها: أَنَّ السَّياسَةَ الشَّرعيَّةَ ليسَتْ اندفاعًا عاطفيًّا، ولا تصلُّبًا شكليًّا؛ بلْ هي موازنَةٌ بين المصالحِ والمفاسدِ، وتقديمٌ للمقاصدِ الكبرى على المكاسبِ الجزئيَّةِ.

- ومن دروسِها: أَنَّ التنازلَ في بعضِ الأَلفاظِ أَو المراسمِ لا يلزمُ أَن يكونَ تنازلًا عن الأُصولِ؛ فقد قَبِلَ النبيُّ ﷺ حذفَ بعضِ العباراتِ من وثيقةِ الصُّلحِ، دونَ أَن يتنازلَ عن حقيقَةِ رسالتِهِ، ولا عن أَصلِ دعوتِهِ.

- ومن دروسِها: أَنَّ الدَّعوَةَ تنتفَعُ أَحيانًا بالهدوءِ الراشدِ أَكثرَ مما تنتفعُ بضجيجِ الصِّراعِ؛ فإنَّ الهدنَةَ فتحتْ للنَّاسِ بابَ السِّماعِ والمخالطةِ والتأَمُّل؛ فدخلَ في الإسلامِ بعدَ الحُدَيبيَةِ خلقٌ كثيرٌ.

- ومن دروسِها: أَنَّ القائدَ الربَّانيَّ لا ينقادُ لسَطوَةِ اللحظَة، ولا لحماسَةِ الجمهور؛ بلْ ينظرُ بنورِ الوحي، وفقهِ المآلات، وحسابِ العواقبِ.

- ومن دروسِها: أَنَّ الوفاءَ بالعهدِ خُلُقٌ إسلاميٌّ عظيمٌ، وأَنَّ المعاهداتِ تُحترمُ ما لم تُنقض، وأَنَّ الغدرَ ليسَ من سياسَةِ الإسلامِ في شيءٍ.

= فالحديبيةُ تعلِّمُنا أَنَّ الحكمةَ ليسَتْ ضعفًا، وأَنَّ المرونَةَ ليسْتَ تمييعًا، وأَنَّ الثباتَ لا يعني الجمود، وأَنَّ السِّياسَةَ الشَّرعيَّةَ الحقَّةَ تجمعُ بينَ حفظِ الأُصولِ، وحُسنِ تنزيلِها على الواقعِ.

* وما أَحوجَ الدُّعاةَ والمصلحينَ اليوم إلى فقهِ الحُدَيبيَة:

فقهٍ يجمعُ بين العزَّةِ والحكمةِ، وبين الغَيرَةِ والبصيرَةِ، وبينَ الصَّبرِ والعملِ، وبين وضوحِ المنهجِ وحُسنِ إدارَةِ الواقعِ.

اللَّهُمَّ! ارزقنا فقهًا في دينِكَ، وبصيرَةً في سننِكَ، وحكمةً في دعوتِكَ، وثباتًا على الحقِّ حتى نلقاكَ.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

أَهميَّةُ علْمِ المقاصِدِ في فقهِ الدَّعوَةِ:

Next
Next

»الغايَةُ لا تُبرِّرُ الوسيلَةَ«: