أَهميَّةُ علْمِ المقاصِدِ في فقهِ الدَّعوَةِ:

سلسلَةُ بصائِرَ في المنهَجِ والواقِعِ (٥٧):

أَخي الدَّاعيَةَ اللَّبيبَ!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لفقهِ الدِّينِ والبصيرَةِ في البلاغِ - أَنَّ الدَّعوَةَ إلى اللهِ تعالى؛ ليسَتْ مجرَّدَ حماسَةٍ في البيانِ، ولا كثرَةَ كلامٍ في الإنكارِ، ولا شدَّةً في الخصومَةِ؛ بلْ هيَ عبادَةٌ عظيمَةٌ لا تستقيمُ إلَّا بعِلْمٍ، وإخلاصٍ، وحكْمَةٍ، وفقهٍ بمقاصِدِ الشَّريعَةِ ومآلاتِ الأَقوالِ والأَفعالِ.

فـ »علمُ المقاصدِ« هو العلمُ الذي يعرِّفُ الدَّاعيَةَ بغاياتِ الشَّريعَ الغرَّاءِةِ وأَسرارِها الكليَّةِ، وما جاءَتْ بهِ من تحصيلِ المصالحِ وتكميلِها، ودرْءِ المفاسدِ وتقليلِها، وحفْظِ ضروريَّاتِها الخمسِ: الدِّينِ، والنَّفسِ، والعقْلِ، والعِرْضِ، والمالِ.

وليسَ المقصودُ بهِ تعطيلَ النُّصوصِ باسم المصلحَةِ، ولا تمييعَ الأَحكامِ باسم الحكْمَةِ؛ بلِ المقصودُ أَن يُفهَمَ النَّصُّ في ضوءِ مرادِ الشَّارعِ الحكيمِ، وأَن يُنزَّلَ الحكمُ على الواقعِ بعلْمٍ وعدْلٍ وبصيرَةٍ.

وقدْ دلَّ »القرآنُ الكريمُ« على هذا الأَصلِ العظيمِ في مواضعَ كثيرَةٍ؛ فقالَ تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

فليسَتْ الدَّعوَةُ مجرَّدَ قولِ الحقِّ؛ بلْ قولُ الحقِّ بالحكْمَةِ التي تُوصِلُهُ إلى القُلوبِ، وتُقيمُ بهِ الحجَّةُ، وتدفَعُ بهِ الشَّرَّ ما أَمكنْ.

وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلعَالَمِينَ﴾؛ فالأَصلُ في رسالَةِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّها رحمَةٌ وهدايَةٌ وإنقاذٌ؛ لا تَشَفٍّ ولا انْتقامٍ، ولا صناعَةُ عداواتٍ باسمِ الغيرَةِ على الدِّينِ.

ومن أَعظمِ أَدلَّةِ المقاصِدِ في الدَّعوَةِ قولُهُ تعالى:﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.

فهذِهِ الآيَةُ أَصلٌ عظيمٌ في «فقهِ المآلاتِ»؛ إذْ نهَى اللهُ عن أَمرٍ قدْ يكونُ في أَصلِهِ حقًّا، وهو سَبُّ الباطِلِ وأَهلِهِ، إذا ترتَّبَ عليهِ مُنكَرٌ أَعظَمٌ، وهو سَبُّ اللهِ تعالى؛ فكيفَ بمَن يفتَحُ على الدَّعوَةِ أَبوابًا منَ الشُّرورِ بسبَبِ جهلِهِ بالمآلاتِ، ثم يظُنُّ نفسَهُ ناصرًا للدِّينِ؟!

وفي »السُّنَّةِ النَّبويَةِ« شواهِدُ كثيرَةٌ على هذا الفقهِ العظيمِ؛ فقدْ قالَ النَّبيُّ ﷺ لمعاذٍ وأَبي موسى - رضي الله عنهما - حين بعثهما إلى اليمن: »يَسِّرَا ولا تُعَسِّرَا، وبَشِّرَا ولا تُنَفِّرَا، وتَطَاوَعَا ولا تَخْتَلِفَا« متفق عليه.

فهذا توجيهٌ نبويٌّ للدَّاعيَةِ أَن يراعيَ أَحوالَ النَّاسِ، وأَن يفتَحَ لهم أَبوابَ الخيرِ، وأَلَّا يجعَلَ من شدَّتِهِ سببًا في نفورهم من الحقِّ.

ولمَّا بالَ الأَعرابيُّ في المسجدِ، زجَرَهُ الصَّحابَةُ؛ فقال النَّبيُّ ﷺ: »لا تُزْرِمُوهُ« ثم علَّمَهُ برفْقٍ، وقالَ: »إنَّ هذِهِ المساجِدَ لا تَصْلَحُ لشَيْءٍ منْ هذا البَولِ ولا القَذَرِ«؛ فجمَعَ ﷺ بينَ إنكارِ المنكَرِ وتعليمِ الجاهِلِ وحفَظِ المقصودِ الأَعظمِ، وهو هدايَةُ القَلبِ لا مجرَّدُ إظهارِ الغلبَةِ.

وكذلكَ تركَ النَّبيُّ ﷺ قتلَ بعضِ المنافقينَ معَ ظُهورِ نفاقِهم؛ وقال: »لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ محمَّدًا يَقْتلُ أَصْحابَهُ«؛ فراعى ﷺ المآلَ العامَّ، وحفِظَ صُورَةَ الدَّعوَةِ، ودفَعَ مفسدَةً أَعظمَ قدْ تصُدُّ النَّاسَ عن الإسلامِ.

ولهذا قرَّرَ أَهلُ العلْمِ أَنَّ الشَّريعَةَ مبناها على المصالحِ والحِكَم. قال العلَّامَةُ الشَّاطبيُّ رحمهُ اللهُ: (إنَّ الشَّريعَةَ وُضِعَتْ لمصالحِ العبادِ في العاجِلِ والآجِلِ).

وقال شيخُ الإسلامِ ابن تيميَّةَ رحمهُ اللهُ: (الشَّريعَةُ جاءَتْ بتَحصيلِ المصالحِ وتكميلِها، وتعطيلِ المفاسِدِ وتقليلِها».

وقال ابنُ القيِّمِ - رحمهُ اللهُ - كلمَةً عظيمَةً جامعَةً: (الشَّريعَةُ مبناها وأَساسُها على الحِكَمِ ومصالحِ العبادِ في المعاشِ والمعادِ؛ فهيَ عدْلٌ كلُّها، ورحمْةٌ كلُّها، ومصالحُ كلُّها، وحكْمَةٌ كلُّها).

ومن هٌنا؛ تظهَرُ أَهميَّةُ علْمِ المقاصِدِ في »فقْهِ الدَّعوَةِ«: فهو الذي يُعلِّمُ الدَّاعيَةَ ترتيبَ الأَولويَّاتِ؛ فلا يُقدِّمُ الجزئيَّاتِ على الكلِّيَّاتِ، ولا النَّوافِلَ على الفرائِضِ، ولا مسائِلَ الخلافِ على أُصولِ الإيمانِ والتَّوحيدِ، ولا يشتغِلُ بتصنيفِ النَّاسِ؛ قبلَ تعليمِهم أُصلَ الدِّينِ.

وهو الذي يُعلِّمُهُ الفرقَ بينَ »بيانِ الحقِّ« و»إثارَةِ الفتنَةِ« وبينَ »النَّصيحَةِ الشَّرعيَةِ« و»التَّشهيرِ المؤْذي« وبينَ »الغلظَةِ المحمودَةِ في موضعِها« و»العُنْفِ المنفِّرِ في غيرِ موضعِهِ«.

وهو الذي يُعلِّمُهُ أَنَّ المقصودَ من الدَّعوَةِ هدايَةُ الخلقِ لا كسرُهم، وإقامَةُ الحُجَّةِ لا إحراقُ الجسورِ، وتصحيحُ المفاهيمِ لا صناعَةُ الأَحقادِ، وجمعُ القلوبِ على الحقِّ لا تمزيقُ الصُّفوفِ باسم الحقِّ.

غيرَ أَنَّهُ يَنبغي التَّنبيهُ إلى أَصلٍ عظيمٍ وخطيرٍ في هذا البابِ:

فـ »المقاصِدُ الشَّرعيَّةُ« ليسَتْ بابًا للتَّلاعُبِ بالدِّينِ، ولا ذريعَةً لإسقاطِ الأَحكامِ، ولا سُلَّمًا إلى المُداهنَةِ والتَّمييعِ؛ بلِ المقاصِدُ الصَّحيحَةُ لا تُصادِمُ النُّصوصَ الصَّحيحَةَ، وإنَّما تخدُمُها، وتكشِفُ عن حِكَمِها، وتُعينُ على حُسْنِ فَهْمِها وتنزيلِها.

- فمَن جعَلَ »المصلحَةَ« صنمًا يُعبَدُ مِن دونِ الدَّليلِ؛ فقدِ انحرَفَ عن جادَّةِ الشَّرعِ. 

- ومَن جعَلَ »النَّصَّ« شعارًا مجرَّدًا بِلا فقْهٍ في تنزيلِهِ ومآلِهِ؛ فقدْ يُفسِدُ مِن حيثُ يريدُ الإصلاحَ، ويُنفِّرُ مِن حيثُ يريدُ البيانَ.

فالدَّاعيةُ الرَّبَّانيُّ؛ هو الذي يجمَعُ بين صِدْقِ الاتِّباعِ وحُسْنِ التَّنزيلِ، وبينَ قوَّةِ الحقِّ ورَحمَةِ الخَلْقِ، وبينَ ثباتِ المبدَأِ وحِكْمَةِ الأُسلوبِ؛ فلا يترُكُ الحقَّ خوفًا مِنَ النَّاسِ، ولا يقولُهُ بطريقَةٍ تُذهِبُ بركتَهُ، وتصِدُّ القلوبَ عنهُ.

وخُلاصَةُ الأَمرِ:أَنَّ »فِقهَ المقاصِدِ في الدَّعوَةِ« ليسَ تَرَفًا عِلميًّا، ولا زِينَةً بحثيَّةً؛ بلْ هو ضَرورَةٌ مَنهجيَّةٌ؛ لأَنَّ الدَّعوَةَ بِلا مقاصِدَ؛ قدْ تَتحوَّلُ إلى صِدامٍ أَعمَى، والإِنكارُ بِلا بَصيرَةٍ بالمآلاتِ؛ قدْ يُفضي إلى مُنكَرٍ أَعظَمَ، والغَيرَةُ بِلا عِلمٍ؛ قدْ تَفتَحُ على الأُمَّةِ أَبوابًا مِنَ الفَوضَى والفِتَنِ.

فاللَّهُمَّ ارزقنا علمًا نافعًا، وفقهًا راسخًا، وحكمةً في الدَّعوَةِ، وبصيرَةً في تنزيلِ الحقِّ على الواقعِ، واجعلنا هداةً مهتدينَ، غير ضالِّين ولا مُضلِّينَ، واجمَعْ كلمَةَ المسلمينَ على الحقِّ والهُدى؛ يا رَبَّ العالمينَ.. آمين!

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

عصرُ السُّرعَةِ وأَزمَةُ الصَّبرِ:حينَ أَسْرَعَتِ الوسائلُ، وضعُفَ الإنسانُ عنِ الانتظارِ:

Next
Next

»صلحُ الحُدَيبيَة« فقهُ السِّياسَةِ والدَّعوَةِ: