عصرُ السُّرعَةِ وأَزمَةُ الصَّبرِ:حينَ أَسْرَعَتِ الوسائلُ، وضعُفَ الإنسانُ عنِ الانتظارِ:

سلسلَةُ بصائِرَ في المنهَجِ والواقِعِ (٥٨):

أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!

اعلمْ أَنَّ مِن أَبرزِ سماتِ عصرِنا: السُّرعَةَ الهائلَةَ في الاتِّصالِ وإنجازِ الأَعمالِ.

وهي منافعُ عظيمةٌ لا يُنكَرُ فضلُها، لكنَّ المشكلةَ تبدأُ حينَ تنتقلُ السُّرعةُ مِن أَجهزتِنا إلى نفوسِنا؛ فتُنشئُ ضيقًا بالتدرُّجِ، ونفورًا مِن كلِّ عملٍ يحتاجُ إلى صبرٍ ومثابرةٍ.

أَوَّلًا- السُّرعَةُ غيرُ العَجَلَةِ:

لا بدَّ مِن التفريقِ بينَ »السُّرعةِ المحمودةِ« في أَداءِ الواجباتِ، وبينَ «العَجَلَةِ المذمومَةِ» التي تحملُ صاحبَها على استعجالِ الثمارِ؛ فقد أمرَ اللهُ بالمسارعةِ إلى الخيرِ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. ونبَّهَ إلى ما جُبِلَ عليهِ الإنسانُ مِن العَجَلَةِ: ﴿وَكَانَ الْإنْسَانُ عَجُولًا﴾.

والمؤمنُ يُسارعُ إلى العملِ ثمَّ يصبرُ على نتائجِهِ، وقد قالَ ﷺ للأَشجِّ عبدِ القيسِ: »إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الحِلْمُ وَالأَنَاةُ« [مسلمٌ].

ثانيًا- حينَ تتغيَّرُ طباعُنا:

اعتادَ الإنسانُ المعاصرُ الاستجابةَ الفوريَّةَ بضغطةِ زرٍّ؛ فأَرادَ مِن الحياةِ كلِّها أَن تعملَ بالسرعةِ نفسِها: علمًا بلا قراءةٍ، ونجاحًا بلا جهدٍ، وتربيةً بلا طولِ بالٍ! وهذا وَهْمٌ تُكذِّبُه سُنَنُ اللهِ؛ فالأَشياءُ العظيمَةُ لا تُبنى في لحظةٍ، والعلومُ لا تُنالُ بمقاطعَ متناثرةٍ.

ثالثًا- ضَعْفُ التَّركيزِ وثقافةُ الاختصارِ:

أَصبحتْ ثقافةُ »الدقيقةِ الواحدةِ« هي السائدةَ. ورغمَ أَنَّ الاختصارَ مهارةٌ؛ إلَّا أَنَّهُ لا يُغني عن القراءةِ المنهجيَّةِ ولا يبني عقلًا راسخًا؛ فالمعلوماتُ المتناثرةُ ليستْ علمًا، وسرعةُ الجوابِ ليستْ دليلًا على صِحَّتِهِ. المعرفةُ العميقةُ تحتاجُ إلى تأمُّلٍ، وتكرارٍ، وصبرٍ.

رابعًا- الحياةُ قائمةٌ على التدرُّجِ والانتظارِ:

الانتظارُ المحمودُ هو بذلُ الأَسبابِ ثمَّ الصبرُ على اكتمالِ المراحلِ؛ فالطالبُ والتاجرُ والمزارعُ والمريضُ كُلُّهم بحاجةٍ إلى الصبرِ على الزمنِ. ومَن لم يتعلَّمِ الصبرَ عَسُرَ عليهِ النجاحُ؛ إذ قد يظنُّ أَنَّ تأْخُّرَ الثمرةِ دليلٌ على فسادِ البذرةِ.

خامسًا- تربيةُ الأَبناءِ وأَثَرُ السُّرعةِ في العلمِ:

- في التربيَةِ: تلبيةُ كلِّ رغباتِ الطفلِ فورًا تُضعِفُ قدرَتَهُ على تحمُّلِ التأخيرِ.

تدريبُ الأبناءِ على الانتظارِ يُعلِّمُهم ضبطَ النفسِ والصبرَ.

- في العلمِ والدَّعوةِ: العلمُ لا يُؤخَذُ طفرةً بل أُصولًا قبلَ الفروعِ.

وإصلاحُ النفوسِ يتطّلبُ وقتًا؛ وقد نزلَ القرآنُ منجَّمًا ليُقرَأَ على مُكثٍ.

سادسًا- كيفَ نستعيدُ الصَّبرَ والتَّركيزَ؟

العلاجُ ليسَ برفضِ التِّقنيَّةِ، بل بإعادةِ التوازنِ:

١- تخصيصُ أَوقاتٍ للقراءةِ والدروسِ الكاملةِ بعيدًا عن الشَّاشاتِ.

٢- عَدَمُ الاستجابةِ الفوريَّةِ لكلِّ إشعارٍ، وحمايةُ أَوقاتِ العبادةِ والأُسرةِ.

٣- تدريبُ النَّفسِ على إكمالِ ما بدأناهُ.

٤- الاستعانةُ بالعباداتِ كالصلواتِ بَخشوعٍ والصيامِ والذِّكرِ؛ فإنَّها تُعيدُ للنفسِ هدوءَها.

خاتمةٌ:

إنَّ الحضارةَ قد تختصرُ زمنَ الوصولِ، لكنَّها لن تلغيَ سُنَّةَ التدرُّجِ؛ فلا الطفلُ يصيرُ رجلًا في يومٍ، ولا المبتدئُ يصبحُ عالمًا في ساعةٍ.

فطوبى لمَن انتفعَ بسرعةِ العصرِ دونَ أَن تسلُبَهُ صَبْرَهُ، وبادرَ إلى الخيرِ مِن غيرِ طيشٍ، وتأنَّى مِن غيرِ كسلٍ.

اللَّهُمَّ ارزقْنا الصَّبرَ والحِلمَ والأَناةَ، وباركْ لنا في أَوقاتِنا وأَعمارِنا، وأَعنَّا على حُسنِ الانتفاعِ بوسائلِ هذا العصرِ، ولا تجعلْها سببًا في غفلتِنا وتشتُّتِ قلوبِنا.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

»بينَ إِنكارِ المنكرِ واتِّقاءِ الفِتنِ« فقهُ البصيرَةِ والمآلِ في زمَنِ الالتِباسِ:

Next
Next

أَهميَّةُ علْمِ المقاصِدِ في فقهِ الدَّعوَةِ: