»بينَ إِنكارِ المنكرِ واتِّقاءِ الفِتنِ« فقهُ البصيرَةِ والمآلِ في زمَنِ الالتِباسِ:
سلسلَةُ بصائِرَ في المنهَجِ والواقِعِ (٥٩):
أَخيَ الدَّاعيةَ اللَّبيبَ!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لقولِ الحقِّ بعلمٍ وحكمةٍ ورحمةٍ - أَنَّ مِن أَدقِّ أَبوابِ الدَّعوةِ إلى اللهِ تعالى: بابَ التَّفريقِ بينَ »إنكارِ المنكَرِ« الذي أَمرَ اللهُ بهِ، وبينَ »الخوضِ في الفِتَنِ« التي نهى الشَّرعُ عن إشعالِها أَو الدُّخولِ فيها بغيرِ علمٍ وهُدًى.
وتنبعُ خطورةُ هذا البابِ مِن أَنَّ الخطأَ فيهِ قد يؤدِّي إلى تشويهِ الحقِّ، وتنفيرِ الخَلْقِ، وإثارةِ الفِتَنِ، أَو - في الجهةِ المقابلةِ - إلى تمييعِ الدِّينِ، وتعطيلِ واجبِ النَّصيحةِ والبيانِ.
وتزدادُ دقَّتُهُ في أَزمنةِ الاضطرابِ؛ حينَ يُسمَّى السُّكوتُ عنِ الباطلِ حكمةً، ويُسمَّى التهوُّرُ في مواجهتِهِ شجاعَةً؛ فيتركُ قومٌ واجبَ البيانِ باسمِ اجتنابِ الفِتَنِ، ويقتحمُ آخرونَ كلَّ خصومةٍ باسمِ إنكارِ المُنكَرِ.
والشَّريعةُ لا تأْمرُ بسكوتٍ يُميتُ الحقَّ، ولا بإنكارٍ يُضاعفُ الشَّرَّ؛ بل تأْمرُ بإنكارٍ راشدٍ، يقومُ على العلمِ والإخلاصِ والحكمةِ، ويراعي القدرةَ والحالَ والمآلَ.
ولهذا؛ لا يصحُّ أَن يُختزَلَ هذا البابُ في سؤالٍ: »هل نتكلَّمُ أَم نسكتُ؟« بل لا بُدَّ مِن معرفةِ حقيقةِ المنكَرِ، وحالِ صاحبِهِ، وقدرةِ المنكِرِ، وطريقةِ الإنكارِ، وما يترتَّبُ عليهِ مِن مصالحَ ومفاسدَ.
أَوَّلًا- تحريرُ مفهومِ المنكرِ والفِتنَةِ:
المُنكَرُ شرعًا: ما ثبتَ تحريمُهُ بدليلٍ معتبرٍ، وليسَ كلُّ ما خالفَ ذوقَ الإنسانِ، أَو عادتَهُ، أَو اجتهادَهُ، يُسمَّى مُنكَرًا.
ومن المسائلِ ما هو مُحرَّمٌ بيِّنٌ، ومنها ما هو محلُّ اجتهادٍ وخلافٍ سائغٍ؛ فلا يجوزُ أَن يتحوَّلَ الخلافُ المعتبرُ إلى تفسيقٍ، أَو تبديعٍ، أَو تشهيرٍ.
وأَمَّا الفِتنةُ المذمومَةُ: فهيَ ما يلتبسُ فيها الحقُّ بالباطلِ، أَو تتغلَّبُ فيها الأَهواءُ والعصبيَّاتُ، أَو يتحوَّلُ الإنكارُ إلى خصومةٍ عمياءَ، أَو يترتَّبُ عليهِ شرٌّ أَعظمُ مِن المنكَرِ المرادِ إزالتُهُ.
ثانيًا- ليسَ كُلُّ أَذًى فِتنَةً، ولا كلُّ صِدامٍ نُصرَةً:
ليسَ كلُّ إنكارٍ ترتَّبَ عليهِ غضبُ أَهلِ الباطلِ، أَو تشويهُ الدَّاعيةِ، فِتنةً يجبُ الفرارُ منها؛ فإنَّ طريقَ الحقِّ لا يخلو مِن أَذى المعاندينَ.
قالَ تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾. ولكنَّ الأَذى ليسَ دليلًا مطلقًا على صوابِ الدَّاعيةِ؛ فقد يُؤذَى بسببِ حقٍّ قالَهُ، وقد يُؤذَى بسببِ جهلِهِ، أَو غلظتِهِ، أَو تجاوزِهِ.
كما أَنَّ كلَّ صدامٍ ليسَ نُصرةً للدِّينِ؛ فقد يكونُ أَصلُ الإنكارِ مشروعًا، ثم يُفسدُهُ الجهلُ بالواقعِ، أَو سوءَ الأُسلوبِ، أَو فسادُ التَّوقيتِ، أَو سوءَ تقديرِ المآلاتِ.
ثالثًا- إِنكارُ المنكَرِ عبادَةٌ منضبِطَةٌ:
قالَ النَّبيُّ ﷺ: »مَن رَأَى مِنكُمْ مُنكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ«.
فالإنكارُ واجبٌ بحسبِ الاستطاعةِ الشَّرعيَّةِ، لا بحسبِ الحماسةِ النَّفسيَّةِ.
والتَّغييرُ باليدِ ليسَ إذنًا بالفوضى، بل يكونُ بحسبِ الولايةِ والقدرةِ، ومعَ أَمنِ المفسدةِ الأَعظمِ.
ويقومُ الإنكارُ الرَّاشدُ على أُصولٍ:
- العلمُ والتثبُّتُ: فلا إنكارَ بغيرِ علمٍ، ولا حكمَ على واقعةٍ بغيرِ تثبُّتٍ.
- الإخلاصُ: فلا يكونُ الإنكارُ للشُّهرةِ، أَو الانتصارِ للنَّفسِ، أَو تصفيةِ الخصوماتِ.
- الحكمةُ والرِّفقُ: فالرِّفقُ ليسَ ضعفًا، والحكمةُ ليستْ مداهنةً، وإنَّما هيَ وضعُ القولِ المناسبِ في موضعِهِ المناسبِ.
- مراعاةُ المآلاتِ: فالمقصودُ إزالةُ الشَّرِّ أَو تقليلُهُ، لا إحداثُ شرٍّ أَعظمَ منهُ.
رابعًا- فقهُ المآلِ لا يعني تعطيلَ الحقِّ:
قد يتذرَّعُ بعضُ النَّاسِ بالمآلاتِ لإسكاتِ كلِّ نصيحةٍ، كما يرفضُ آخرونَ النَّظرَ في العواقبِ باسمِ الشَّجاعةِ؛ وكلا المسلكَيْنِ خطأٌ.فقهُ المآلاتِ لا يعني تركَ الحقِّ، بل اختيارَ أحكمِ الطُّرُقِ لإقامتِهِ.
قالَ تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
فنهى اللهُ عن صورةٍ مِن صورِ إنكارِ الباطلِ؛ لأَنَّها تُفضي إلى شرٍّ أَعظمَ؛ فدلَّ ذلكَ على أَنَّ القولَ قد يكونُ حقًّا في أَصلِهِ، لكنَّ زمانَهُ، أَو مكانَهُ، أَو طريقتَهُ قد لا تكونُ مشروعةً.
خامسًا- متى يجبُ البيانُ، ومتى تتغيَّرُ طريقتُهُ؟
إذا كانَ المنكَرُ ظاهرًا ثابتًا، وكانَ السُّكوتُ عنهُ يُلبِّسُ على النَّاسِ دينَهُم، أَو يُضيِّعُ أَصلًا مِن أُصولِ الحقِّ؛ وجبَ البيانُ بحسبِ القدرةِ والاستطاعةِ، ولو ترتَّبَ عليهِ أَذًى.
ولكنْ يجبُ أَن يكونَ البيانُ بعلمٍ وعدلٍ، وأَلَّا يحملَ ظلمُ الخصومِ الدَّاعيةَ على أَن يظلمَهُم؛ فإنَّ الحقَّ لا يُنصَرُ بالباطلِ.
قالَ تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. وأَمَّا إذا كانَ الإنكارُ العلنيُّ سيزيدُ الشَّرَّ، أَو يثيرُ خصومةً عمياءَ، أَو يُضلِّلُ العامَّةَ، فالحكمةُ ليستْ في تركِ الحقِّ، بل في تغييرِ الأُسلوبِ، أَو الوقتِ، أَو الانتقالِ مِن العلنِ إلى النَّصيحةِ الخاصَّةِ.
فليسَ العلنُ مطلوبًا لذاتِهِ، ولا السِّرُّ مطلوبًا لذاتِهِ؛ وإنَّما المطلوبُ ما تتحقَّقُ به المصلحةُ الشَّرعيَّةُ.
سادسًا- التَّفريقُ بينَ المنكَرِ وصاحبِهِ:
قد يكونُ الفعلُ مُنكَرًا؛ لكنَّ فاعلَهُ جاهلٌ يحتاجُ إلى تعليمٍ، أَو متأَوِّلٌ يحتاجُ إلى بيانٍ، أَو ضعيفٌ يحتاجُ إلى تدرُّجٍ، أَو معاندٌ يحتاجُ إلى حزمٍ. وليسَ مِن الحكمةِ أَن يُعامَلَ الجميعُ معاملةً واحدةً.
قالَ تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؛ فالمقصودُ هدايةُ الخَلْقِ وإقامةُ الحجَّةِ، لا مجرَّدُ قهرِ الخصومِ.
سابعًا- آفةُ الانْتصارِ للنَّفسِ:
قد يبدأُ الدَّاعيةُ كلامَهُ للهِ، ثم إذا هُوجِمَ تحوَّلتِ المسألةُ عندَهُ إلى معركةِ كرامةٍ شخصيَّةٍ؛ فيُطيلُ الخصومةَ، ويتتبَّعُ الزَّلَّاتِ، ويأنفُ مِن التَّراجعِ.
ولهذا؛ فليسألْ نفسَهُ:
- هل أَريدُ انتصارَ الحقِّ، أَم انتصارَ نفسي؟
- هل أَفرحُ برجوعِ المخطئِ إلى الصَّوابِ، ولو لم يعترفْ لي؟
- هل أَستطيعُ أَن أَقولَ: أَخطأتُ، إذا تبيَّنَ لي الحقُّ؟
= فمَن لم يُحاسبْ نفسَهُ، خِيفَ عليهِ أَن يدخلَ مِن بابِ الفتنةِ، وهو يظنُّ أَنَّهُ ينصرُ الحقَّ.
الخُلَاصَةُ:
- إذا كانَ سكوتُكَ يُضيِّعُ الحقَّ؛ فتكلَّمْ بعلمٍ وحكمةٍ.
- وإذا كانَ كلامُكَ على صورةٍ معيَّنةٍ سيُضاعفُ الشَّرَّ؛ فغيِّرِ الأُسلوبَ والوقتَ والطَّريقةَ، ولا تتركِ الحقَّ.
- وإذا هاجمَكَ أَهلُ الباطلِ بسببِ بيانٍ واجبٍ؛ فاصبرْ واحتسبْ.
- وإذا انتقلتَ مِن نُصرةِ الحقِّ إلى الانتصارِ للنَّفسِ؛ فتوقَّفْ وراجعْ قلبَكَ.
- وإذا التبسَ عليكَ الأَمرُ؛ فاسألْ أهلَ العلمِ والبصيرةِ، ولا تجعلْ حماستَكَ مفتيَكَ.
= ليسَ كلُّ سكوتٍ حكمةً، ولا كلُّ كلامٍ شجاعةً، ولا كلُّ أذًى دليلَ صوابٍ؛ وإنَّما الميزانُ: علمٌ، وإخلاصٌ، وعدلٌ، وحكمةٌ، وفقهٌ بالمآلاتِ، ورحمةٌ بالخلقِ.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

