حقيقَةُ الدَّعوَةِ في زمنِ الجهْلِ والفِتنِ..

سلسلَةُ بصائِرَ في المنهَجِ والواقِعِ (٤٦):

أَخي طالبَ العلمِ اللَّبيب!

اعلمْ - سدَّدكَ اللهُ - أَنَّ الدَّعوَةَ إلى اللهِ ليسَتْ خصومَةً معَ العبادِ، ولا معركَةً دائمَةً معَ المخالفينَ، ولا مجرَّدَ ردودٍ على الأَخطاءِ والانحرافاتِ؛ إنَّما حقيقتُها: بيانُ الحقِّ الذي جاءَ بهِ رسولُ اللهِ ﷺ، وتقريبُهُ للنَّاسِ برحمَةٍ وحكمَةٍ وبصيرَةِ، حتَّى يعرفوا الإسلامَ كما أَنزلَهُ اللهُ، وكما فهمَهُ الصَّحابةُ الكرامُ، وسارَ عليهِ أَئمَّةُ الهُدى من أَهلِ القرونِ المفضَّلَةِ.

وفي هذا العصرِ خاصَّةً؛ عصرِ الجهْلِ المركَّبِ، وانتشارِ الفتنِ، وغربَةِ المعاني الشَّرعيَّةِ، وضعفِ القيادَةِ العلميَّةِ الجامعَةِ، وغيابِ الدَّولَةِ الإسلاميَّةِ الرَّاشدَةِ التي تجمَعُ كلمَةَ المسلمينَ؛ صارَ من أَعظمِ واجباتِ الدَّاعيةِ أَن يبدأَ بالبناءِ قبلَ الهدْمِ، وبالتعليمِ قبلَ الخصومَةِ، وببيانِ الإسلامِ الحقِّ قبلَ تسميَةِ الفِرَقِ والطوائِفِ والرَّدِّ عليها.

فليسَ من فقهِ الدَّعوَةِ، ولا من حكمَةِ البلاغِ، أَنْ تُخاطبَ عامَّةَ النَّاسِ - في زمنٍ اختلطتْ عليهم فيهِ المفاهيمُ، واضطربتِ الموازينُ، وغابَ العلمُ الرَّاسخ - فتبدأَ معهم بلغَةِ التَّصنيفِ والخصومَةِ؛ فتقولَ: هؤلاءِ أَشاعرَةٌ، وهؤلاءِ ماتُريديَّةٌ، وهؤلاءِ صوفيَّةٌ، وهؤلاءِ مبتدعَةٌ؛ فإنَّ كثيرًا من النَّاسِ لم يعرفوا أَصلَ التَّوحيدِ الخالصِ على وجهِهِ، والتَّبسَ عليهم أَمرُ الشِّركِ وأَنواعِهِ، ولم يُميِّزوا بعدُ بينَ السُّنَّةِ والبدعَةِ، ولا بينَ الاتِّباعِ والتَّقليدِ الأَعمى، ولا بينَ محبَّةِ الصَّالحينَ المشروعَةِ والغلوِّ المذمومِ فيهم.

فإذا بدأَتَ معهم بالتَّصنيفِ والخصومَةِ قبلَ البيانِ؛ نفروا منَ الحقِّ قبلَ أَن يعرفوهُ، وربَّما ظنُّوا أَنَّ دعوتَكَ مذهَبٌ جديدٌ، أَو جماعَةٌ جديدَةٌ، أَو خصومَةٌ طارئةٌ على تاريخِ الأُمَّةِ.

والطريقُ الأَحكمُ والأَجمعُ أَن تقولَ للنَّاسِ: هذا هو إسلامُ الحقِّ، هذا هو دينُ النَّبيِّ ﷺ هذِهِ عقيدَةُ الصَّحابَةِ رضيَ اللهُ عنهم، هذا هو منهجُ الأَئمَّةِ الأَربعَةِ: أَبي حنيفةَ ومالكٍ والشَّافعيِّ وأَحمدَ - رحمهمُ اللهُ - في تعظيمِ الوحي، واتِّباعِ السُّنَّةِ، وردِّ التَّنازعِ إلى كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِهِ ﷺ وتركِ الغُلُوِّ والجفاءِ، والحذَرِ من البدَعِ والأَهواءِ.إنَّ للأُمَّةِ رصيدًا عظيمًا جامعًا، أَجمعَتْ على إمامتِهِ وتلقَّتْهُ بالقبولِ؛ وهو رصيدُ الصَّحابَةِ والتَّابعينَ وأَئمَّةِ الإسلامِ، وفي مقدِّمتِهم الأَئمَّةُ الأَربعَةُ الأَعلام؛ فهؤلاءِ ليسوا خارجَ منهجِ السَّلفِ؛ بلْ همْ من كبارِ أَئمَّةِ السَّلفِ، ومن أَعظَمِ مَن حفظَ اللهُ بهم الدِّينَ فقهًا وأُصولًا ومنهجًا.

ولهذا كانَ منَ الفقْهِ في الدَّعوةِ اليومَ؛ أَن نربطَ النَّاسَ بالقرآنِ والسُّنَّةِ، وبفهمِ الصَّحابَةِ، وبطريقَةِ الأَئمَّةِ الأَربعَةِ في العلمِ والفقهِ والاعتقادِ والمنهجِ؛ لأَنَّ ذكرَ هؤلاءِ الأئمَّةِ يجمعُ ولا يفرِّق، ويقرِّبُ ولا ينفِّر، ويُشعرُ النَّاسَ أَنَّنا لا ندعوهم إلى حزبٍ ولا إلى شعارٍ حادثٍ؛ بل إلى الإسلامِ الذي تلقَّتْهُ الأُمَّةُ بالقبولِ جيلًا بعدَ جيلٍ.وليسَ المقصودُ ذمَّ لقبٍ صحيحٍ أَو إنكارَ الانتسابِ إلى السَّلفِ الصَّالحِ؛ فكلُّ مسلمٍ صادقٍ يجبُ أَن يعتزَّ باتِّباعِ السَّلفِ من الصَّحابَةِ والتَّابعينَ وأَئمَّةِ الهدى؛ لكنَّ الخطأَ أَن يتحوَّلَ اللَّقبُ إلى حاجزٍ بينَ الدَّاعيَةِ والنَّاس، أَو أَن يُختزلَ الإسلامُ في أَسماءِ أَشخاصٍ متأَخِّرينَ مهما كانَ فضلُهم، أَو أَن يُقدَّمَ الشِّعارُ على حقيقَةِ الاتِّباعِ.

فالأُولى في الخطابِ العامِّ أَن نقول: نحنُ مسلمونَ متَّبعونَ للكتابِ والسُّنَّة، على فهمِ الصَّحابَةِ وأَئمَّةِ الإسلامِ، ومنهم الأَئمَّةُ الأَربعَةُ الأَعلام.

وهذِهِ عبارَةٌ جامعَةٌ راسخَةٌ؛ تُظهرُ الحقَّ من غيرِ استفزازٍ، وتفتحُ أَبوابَ القبولِ من غيرِ تنازلٍ عن الأُصولِ.

وأَمَّا الرُّدودُ العلميَّةُ، فلها مقامُها وأَهلُها وضوابطُها؛ تُستعمَلُ عندَ الحاجَةِ لحمايَةِ الحقِّ وكشفِ الباطلِ، لا لتكونَ أَصلَ الخطابِ الدَّعويِّ للعامَّةِ؛ فالرَّدُّ إذا كانَ بعلمٍ وعدْلٍ ورحمَةٍ وبصيرَةٍ؛ فهو من النَّصيحَة، أَمَّا إذا صارَ شغْلَ الدَّاعيَةِ الشَّاغِلِ، وفتحَ أَبوابَ الخصوماتِ، وأَشغلَ النَّاسَ عن تعلُّمِ أُصولِ الدِّينِ؛ فإنَّهُ يضرُّ أَكثرَ ممَّا ينفعُ.إنَّ النَّاسَ في هذا الزَّمنِ لا يحتاجونَ أَوَّلًا إلى كثرَةِ التَّصنيفِ؛ بلْ يحتاجونَ إلى مَن يبيِّنُ لهم: مَن هو اللهُ؟ وما معنى التَّوحيدُ؟ وما حقُّ النَّبيِّ ﷺ؟ وما معنى الاتِّباعِ؟ وكيفَ نعبدُ اللهَ على بصيرَةٍ؟ وما هي عقيدَةُ الصَّحابَةِ؟ وكيفَ كانَ الأَئمَّةُ الأَربعَةُ يعظِّمونَ الوحيَينِ الشَّريفينِ؟ وكيف نجمَعُ بين العلمِ والعملِ، وبينَ الاتِّباعِ والرَّحمَةِ، وبينَ الثَّباتِ والحكمَةِ؟فإذا عَرَفَ النَّاسُ الحقَّ على صفائِهِ؛ سقطَ الباطِلُ من قلوبِهم بالتَّدريجِ.

وإذا ذاقوا نورَ التَّوحيدِ والسُّنَّةِ والفقهِ الرَّاشدِ؛ عرفوا ما يخالفُهُ من غيرِ صراخٍ ولا خصومَةٍ ولا تشهيرٍ.

فحقيقَةُ الدَّعوَةِ اليومَ: أَن نبنيَ، لا أَن نهدمَ فقط، وأَن نعلِّمَ، لا أَن نُخاصمَ فقط، وأَن نرحمَ الجاهلَ قبلَ أَن نشتدَّ عليهِ، وأَن نُحسنَ عرضَ الحقِّ قبلَ أَن نكثرَ من ذمِّ الباطِلِ.

والدَّاعيَةُ الرَّاشدُ هو الذي يقولُ للنَّاسِ بلسانِ العلمِ والرَّحمَةِ: هذا هو الإسلامُ الحقُّ، هذا طريقُ رسولِ اللهِ ﷺ هذا فهمُ الصَّحابَةِ، هذِهِ طريقَةُ الأَئمَّةِ الأَربعَةِ، هذا هو الدِّينُ الذي يجمَعُ بينَ التَّوحيدِ والاتِّباعِ، وبينَ الفقهِ والرَّحمَةِ، وبينَ العلمِ والعمَلِ، وبينَ الثَّباتِ على الحقِّ وحُسْنِ الخُلُقِ معَ الخلْقِ.

فالواجبُ علينا في هذا الزَّمنِ أَن نعيدَ تعريفَ النَّاسِ بالإسلامِ الصَّافي، وأَن نربطَهم بالوحيَينِ، وأَن نُحييَ فيهم مكانَةَ الصَّحابَةِ وأَئمَّةِ الهدى، وأَن نُخرجَهم من ضيقِ الشِّعاراتِ والخصوماتِ إلى سعَةِ الاتِّباعِ والبصيرَةِ والرَّحمَةِ.

اللَّهُمَّ! أَرِنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعَهُ، وأَرِنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابَهُ، واجعلنا دعاةً إلى دينِكَ بعلمٍ ورحمَةٍ وبصيرَةٍ، ولا تجعلنا سببًا في تنفيرِ عبادِكَ عن الحقِّ يا رَبَّ العالمينَ.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

»الجزاءُ من جنسِ العمَلِ« ميزانُ العَدْلِ الإلهيِّ:

Next
Next

لا تَغترَّ بقوَّةِ الكلمَةِ؛ حتَّى ترى صِدْقَ المعاملَةِ..