لا تَغترَّ بقوَّةِ الكلمَةِ؛ حتَّى ترى صِدْقَ المعاملَةِ..

سلسلَةُ بصائِرَ في المنهَجِ والواقِعِ (٤٥):

أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!

اعلمْ - سدَّدكَ اللهُ - أَنَّ من أَخطرِ ما يُفتَنُ بهِ شبابُ الصَّحوَةِ اليومَ: الاغترارُ بقوَّةِ كلمَةِ الرَّجُلِ، وحدَّةِ تغريداتِهِ، وجمالِ مقالاتِهِ، وتأْثيرِ محاضراتِهِ؛ حتَّى يُظنَّ أَنَّ مَن أَحسنَ الكلامَ فقدْ أَحسنَ الدِّينَ، ومَن رفعَ سقفَ النَّقدِ فقدْ بلغَ مرتبَةَ الصِّدْقِ، ومَن وضعَ القواعِدَ والضَّوابطَ العاليَةَ؛ فقدْ صارَ قدوَةً في العمَلِ والواقعِ.

وليسَ الأَمرُ كذلكَ دائمًا؛ فإنَّ الكلامَ بابٌ، والعمَلَ بابٌ آخرُ، والدَّعوى شيءٌ، والابتلاءَ بالمعاملَةِ شيءٌ آخرُ.

ولهذا قالَ أَهلُ العلمِ والحكمَةِ: العبرَةُ ليسَتْ بجمالِ الدَّعوى؛ بلْ بصدقِ البرهانِ في الواقعِ.واشتهرَ على أَلسنَةِ النَّاسِ قولُهم: «الدِّينُ مُعاملةٌ»، وليسَ حديثًا ثابتًا عن النَّبيِّ ﷺ بهذا اللَّفظِ؛ لكنَّ معناهُ صحيحٌ في الجملَةِ، فإنَّ الدِّينَ الحقَّ لا يبقى دعوى على اللِّسانِ؛ بلْ يظهرُ أَثرُهُ في حياةِ العبدِ اليوميَّةِ: صِدقًا في القولِ، وأَمانَةً في الحقوقِ، ورحمَةً بالخلْقِ، ورِفقًا بالجاهلِ، وعدْلًا معَ المخالفِ، ووفاءً بالعهدِ، وتضحيَةً في سبيلِ الحقِّ، وحُسنًا في الخُلُقِ والمعاملَةِ.

قالَ النَّبيُّ ﷺ: »إنَّما بُعِثْتُ لأُتمِّمَ صالحَ الأَخلاقِ«، وقالَ ﷺ: »خيرُكُمْ خيرُكُمْ لأَهلِهِ«، وقالَ ﷺ: »ليسَ الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّديدُ الَّذي يملكُ نفسَهُ عندَ الغضَبِ«.

فلا يَغرُرْكَ رجلٌ يكتبُ في العَدْلِ وهو ظالمٌ في بيتِهِ، ولا رجلٌ يتكلَّمُ عن الشُّورى وهو مستبدٌّ في مؤسَّستِهِ، ولا رجلٌ يرفعُ شعارَ الأُمَّةِ وهو يُهملُ أَمانَةَ أَهلِهِ وأَولادِهِ، ولا رجلٌ يضعُ قواعِدَ مثاليَّةً في التَّربيَةِ وهو فاشِلٌ في تربيَةِ نفسِهِ ومَن تحتَ يدِهِ، ولا رجلٌ ينتقدُ الدِّكتاتوريَّةَ في الخارجِ وهو يمارسُ الفرديَّةَ والأَنا في جماعتِهِ ومشروعِهِ.

إنَّ من المفارقاتِ المؤلمَةِ أَن تقرأَ لبعضِ المتصدِّرينَ كلامًا عاليًا في الإصلاحِ والعدلِ والرَّحمَةِ والشُّورى؛ فإذا عاشرتَهُ، أَو رأَيتَ إدارتَهُ، أَو خالطتَهُ في مالٍ، أَو سافرتَ معهُ، أَو نظرتَ في حالِ بيتِهِ ومؤسَّستِهِ؛ وجدتَ فجوَةً كبيرَةً بينَ التَّنظيرِ والتَّطبيق، وبينَ البلاغَةِ والسُّلوك، وبينَ الدَّعوَةِ والمعاملَةِ.

وهنا يظهرُ الميزانُ الدَّقيقُ: ليسَ كلُّ قويِّ عبارَةٍ قويَّ الدِّينِ، ولا كلُّ صاحبِ نقدٍ صاحبَ عدلٍ، ولا كلُّ مَن يُحسنُ كشفَ عيوبِ النَّاسِ يُحسنُ إصلاحَ عيبِ نفسِهِ.

وقدْ رُويَ عن عمرَ بنِ الخطابِ - رضيَ اللهُ عنهُ - أَنَّهُ سأَلَ رجلًا زكَّى آخرَ، فقالَ لهُ بمعناهُ: هلْ جاورتَهُ؟ هل سافرتَ معهُ؟ هل عاملتَهُ بالدِّينارِ والدِّرهمِ؟ فلمَّا قالَ: لا، قالَ لهُ: (إنَّكَ لا تعرفُهُ).

والمعنى أَنَّ حقيقَةَ الرِّجالِ لا تُعرَفُ بمجرَّدِ رؤيَةٍ في المسجدِ، ولا بسماعِ كلامٍ جميلٍ، ولا بموقفٍ عابرٍ؛ بل تُعرَفُ عندَ المالِ، والسَّفَرِ، والجوارِ، والغضبِ، والخصومَةِ، والمسؤوليَّةِ، والولايَةِ على النَّاسِ.

فالمسجدُ يُظهرُ عبادتَكَ، والمنبرُ يُظهرُ بيانَكَ، والقلمُ يُظهرُ ثقافتَكَ؛ لكنَّ البيتَ يُظهرُ حقيقتَكَ، والمالَ يُظهرُ أَمانتَكَ، والسَّفرَ يُظهرُ طبعَكَ، والخصومَةَ تُظهرُ عدلَكَ، والرئاسَةَ تُظهرُ تواضعَكَ أَو استبدادَكَ.

ومن هنا يجبُ على شبابِ الصَّحوةِ أَن يتعلَّموا ميزانًا مهمًّا: لا تجعلوا قوَّةَ الخطابِ وحدَها دليلَ الصَّلاحِ، ولا تجعلوا شدَّةَ النَّقدِ علامَةَ الرُّسوخِ، ولا تجعلوا كثرَةَ المتابعينَ شهادَةَ تزكيَةِ، ولا تجعلوا الشُّهرَةَ بدلَ الأَمانَةِ، ولا تجعلوا الحضورَ الإعلاميَّ بدلَ الخُلُقِ العمليِّ.

فالقيادةُ الدعويَّةُ ليسَتْ صوتًا عاليًا فقط، ولا مقالَةً مؤثِّرةً فقط، ولا محاضرَةً حماسيَّةً فقط؛ بل هي أَمانَةٌ، ورحمَةٌ، وعدلٌ، وشورى، وتواضعٌ، وضبطٌ للنَّفسِ، وحُسنُ إدارَةِ، وقدرَةٌ على تربيَةِ الرِّجالِ، وحفظُ الحقوقِ، واحتمالُ المخالفِ، والصِّدقُ في السِّرِّ والعلَنِ.

ومَن كانَ فاشلًا في نفسِهِ، مضطربًا في بيتِهِ، ظالمًا في إدارتِهِ، مستبدًّا في مؤسَّستِهِ، أَسيرًا للأنا وحبِّ الظُّهورِ؛ فكيفَ يُؤمَنُ على صناعَةِ جيلٍ، أَو قيادَةِ دعوَةٍ، أَو إصلاحِ أُمَّةٍ؟

وليسَ المقصودُ من هذا الكلامِ تتبُّعَ عوراتِ النَّاس، ولا إسقاطَ العاملينَ، ولا احتقارَ مَن عندَهُ نقصٌ؛ فكلُّنا أَصحابُ تقصيرٍ، وكلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ. 

ولكنَّ المقصودَ أَن نُفرِّقَ بينَ الاستفادَةِ من كلامِ الرَّجلِ، وبينَ رفعِهِ إلى مقامِ القدوَةِ والقيادَةِ والتَّزكيَةِ المطلقَةِ.قدْ تستفيدُ من علمِ إنسانٍ في بابٍ، ولا تجعلَهُ إمامًا في كلِّ بابٍ. 

وقدْ تنتفِعُ بمقالَةٍ نافعَةٍ، ولا تُسلِّمُ لصاحبِها قيادًةَ وعيِكَ ودينِكَ.

وقدْ يكونُ الرَّجلُ قويًّا في النَّقدِ، ضعيفًا في التَّربيَةِ. 

وقدْ يكونُ بليغًا في المقالِ، فقيرًا في الخُلُقِ والمعاملَةِ.

فالمنهجُ الرَّاشِدُ؛ أَن تُزَنَ الرِّجالُ بموازينِ الشَّريعَةِ لا بسحرِ البيانِ، وأَن يُنظرَ إلى مجموعِ حالِ الرِّجلِ: علمِهِ، وعملِهِ، وخُلُقِهِ، وأَمانتِهِ، وعدلِهِ، وطريقَةِ تعاملِهِ معَ أَهلِهِ، وطلَّابِهِ، ومخالفيهِ، ومَن هم تحتَ سلطانِهِ.

ومن أعظمِ علاماتِ الصدقِ: أن يكونَ الرجلُ في بيتِهِ رحيمًا، وفي مالِهِ أمينًا، وفي خصومتِهِ عادلًا، وفي مؤسَّستِهِ شوريًّا، وفي خطئِهِ راجعًا إلى الحق، وفي نصيحةِ الناسِ له متواضعًا، وفي شهرتِهِ خائفًا من الله، لا مفتونًا بنفسِهِ.

أَمَّا مَن يرفعُ للنَّاسِ معاييرَ عاليَةً جدًّا، ثم لا ترى لها أَثرًا في حياتِهِ، ولا في أَهلِهِ، ولا في إدارتِهِ، ولا في جماعتِهِ؛ فهذا ينبغي أَن يُتعامَلَ معهُ بحذرٍ وبصيرَةٍ؛ فالحقُّ الذي يقولُهُ يُقبَلُ لأَنَّهُ حقٌّ، لكنَّهُ لا يُرفَعُ فوقَ قدرِهِ، ولا يُجعلُ ميزانًا على النَّاسِ وهو لم يزنْ بهِ نفسَهُ.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

حقيقَةُ الدَّعوَةِ في زمنِ الجهْلِ والفِتنِ..

Next
Next

منارَةُ الهُدى في زمنِ الرَّدى..