منارَةُ الهُدى في زمنِ الرَّدى..

سلسلَةُ بصائِرَ في المنهَجِ والواقِعِ (٤٤):

أَخي طالبَ العلمِ اللَّبيب!

اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ وسدَّدَ خُطاكَ - أَنَّ من أَشدِّ ما يُختبَرُ بهِ إيمانُ العبدِ، ويُمحَّصُ بهِ صدقُهُ: حلولُ «الفِتَنِ»؛ تلكَ الأَزمنَةُ التي تلتبسُ فيها الأُمورُ، وتختلطُ فيها الحقائِقُ بالأَوهامِ، ويصيرُ الحليمُ فيها حيرانَ، ويكثرُ فيها الخوضُ بغيرِ علمٍ، والقولُ بغيرِ تثبِّتٍ.

وقدْ وصَفَ النَّبيُّ ﷺ بعضَ الفتنِ بقولهِ: »بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ« أَي: فتنًا شديدَةَ الظُّلمَةِ والالتباسِ، لا ينجو منها إلَّا مَن نوَّرَ اللهُ قلبَهُ بالوحي، وثبَّتَ قدمَهُ على الحقِّ.وفي مثلِ هذهِ الأَزمنَةِ لا ينجو العبدُ بكثرَةِ الكلامِ، ولا بحرارَةِ الشِّعاراتِ، ولا باتباعِ كلِّ ناعقٍ؛ وإنَّما ينجو - بعدَ فضلِ اللهِ - مَن اعتصمَ بحبلِ اللهِ المتينِ، ولزمَ سبيلَ المؤْمنينَ، وعرفَ واجبَهُ كمسلمٍ صادقٍ في زمنِ الاضطرابِ.

ويتجلَّى هذا الواجبُ في ركائزَ جامعَةِ:

أَوَّلًا- الاعتصامُ بالوحيينِ الشَّريفينِ، ولزومُ غَرْزِ العلماءِ الرَّاسخينَ:

إذا تلاطمتْ أَمواجُ الآراء، واضطربتْ موازينُ النَّاس، وكثرَتْ دعاوى الإصلاحِ والغيرَةِ؛ فإنَّ سفينَةَ النَّجاةِ هيَ: كتابُ اللهِ، وسُنَّةُ رسولِهِ ﷺ بفهمِ سلَفِ الأُمَّةِ وأَئمتِها الأَعلام.

قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].

وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩].

ومن تمامِ هذا الاعتصامِ: ردُّ النَّوازلِ والفتنِ إلى أَهلِ العلمِ والبصيرَةِ، لا إلى أَهلِ التَّهييج، ولا إلى الرُّوَيبِضَةِ، ولا إلى قادَةِ المنصَّاتِ الذين يُحسنونَ إثارَةَ العواطفِ، ولا يُحسنونَ وزنَ المآلاتِ.

قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].

فالفتنَةُ لا يُطفئها الجاهِلُ بحماستِهِ، ولا صاحِبُ الهوى بصوتِهِ، وإنَّما يُطفئها - بعدَ توفيقِ اللهِ - علمٌ راسِخٌ، وفقهٌ بالمآلاتِ، وصِدْقٌ في النَّصيحَةِ، وعدلٌ في الحكمِ، ورحمَةٌ بالأُمَّةِ.

ثانيًا- التَّثبِّتُ والإنصافُ وتركُ الاستعجالِ:

ومن أَعظمِ واجباتِ المسلمِ في زمنِ الفتنِ: أَن يتثبَّتَ قبلَ أَن يتكلَّمَ، وأَن يتأَنَّى قبلَ أَن يحكمَ، وأَن يخافَ اللهَ في أَعراضِ المسلمينَ ودمائِهم ومقاصدِهم.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].

وقال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].

فليسَ كلُّ ما يُقالُ يُصدَّقُ، وليسَ كلُّ ما يُنشرُ يُتَبنَّى، وليسَ كلُّ غضبٍ للهِ يكونُ منضبطًا بشرعِ اللهِ! وكم من كلمَةٍ خرجَتْ في ساعَةِ انفعالٍ؛ فأَوقدَتْ نارًا، أَو ظلمَتْ بريئًا، أَو فرَّقَتْ صفًّا، أَو أَعانَتْ عدوًّا!

ثالثًا- العبادَةُ والفرارُ إلى الله تعالى:

الفتنَةُ تستهلكُ القلوبَ، وتُشحنُ النُّفوسَ، وتُضعِفُ البصيرَةَ، ولا ترياقَ لها أَعظمُ من الفرارِ إلى اللهِ تعالى: بالصَّلاةِ، والذِّكرِ، والدُّعاءِ، والتَّوبَةِ، ومحاسبَةِ النَّفسِ.قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ﴾ [الذاريات: ٥٠].

وكانَ النَّبيُّ ﷺ إذا حزبَهُ أَمرٌ فزعَ إلى الصَّلاةِ؛ لأَنَّ الصَّلاةَ صلَةٌ باللهِ، وسكينَةٌ للقلبِ، ونورٌ في الظُّلماتِ. وقال ﷺ: »العِبَادَةُ فِي الهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ« رواه مسلم.

والهَرْجُ: زمنُ القتلِ والاختلاطِ واضطرابِ الأُمورِ، وقيلَ: هو شدَّةُ الفتنِ وكثرَةُ الشُّرورِ.فالمؤْمِنُ الصَّادِقُ لا يجعلُ الفتنَ سببًا لقسوَةِ قلبِهِ، ولا لانقطاعِهِ عن ربِّهِ؛ بلْ يجعلُها باعثًا على كثرَةِ الذِّكرِ، وإصلاحِ النَّفسِ، والرُّجوعِ إلى اللهِ، وسؤَالِهِ الثَّباتَ والعافيَةَ.

رابعًا- كفُّ اللِّسانِ واليدِ، والصَّمْتُ الجميلُ عمَّا لا يُحسِن:

إنَّ من أَعظمِ أَبوابِ الفتنِ اليومِ: فتنَةَ «الكلمَةِ»؛ كلمَةٌ تُكتَبُ خلْفَ الشَّاشاتِ، وقدْ تُشعِلُ نارًا بينَ النَّاسِ، أَو تُثيرُ عصبيَّةً، أَو تُعينُ على ظُلمِ، أَو تُسفِكُ بسببها دماءٌ، أَو تُهتَكُ بها أَعراضٌ.

قال النَّبيُّ ﷺ: »مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ؛ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ« متفق عليه.

وقال ﷺ لمعاذٍ - رضي الله عنه - لما سأَلَهُ عن ملاكِ الأَمْرِ: »كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا!« وأَشارَ إلى لسانِهِ.

فليسَ الصَّمْتُ عن الجهْلِ عجزًا؛ بلْ هو عبادَةٌ ونجاةٌ.

وليسَ الإمساكُ عن الخوضِ فيما لا يُحسِنُ المرءُ جبنًا؛ بلْ هو عقلٌ وديانَةٌ.

والصَّمْتُ الجميلُ هو أَن تُمسِكَ لسانَكَ عن الشَّرِّ، لا أَن تسكتَ عن الحقِّ الواجبِ إذا تعيَّن عليكَ بيانُهُ بعلْمٍ وعَدْلٍ وحكمَةٍ.والمسلمُ الصَّادقُ يملأُ وقتَهُ بالإصلاحِ، وسدِّ الثُّغورِ، ونفعِ النَّاسِ، والدُّعاءِ للمظلومينَ، ونصرَةِ الحقِّ بما يقدِرِ؛ من غيرِ تهوِّرٍ ولا تعَدٍّ ولا قولٍ على اللهِ بغيرِ علمٍ.

خامسًا: لزومُ جماعَةِ المسلمينَ، وتركُ أَسبابِ الفرقَةِ والاحترابِ:

ومن واجبِ المسلمِ في زمنِ الفتنِ: أَن يكونَ مفتاحًا للجمعِ لا للتَّفريقِ، وبابًا للوئامِ لا للاحترابِ، وأَن يحذرَ من العصبيَّاتِ الجاهليَّةِ، ومن تضخيمِ الخلافاتِ، ومن تحويلِ مسائلِ الاجتهادِ إلى معارِكَ تُستنزَفُ فيها القلوبُ والطَّاقاتِ.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].

وقال: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠].

فليسَ من الفقهِ أَن نزيدَ جراحَ الأُمَّةِ جراحًا، ولا أَن نجعَلَ الفتنَةَ ميدانًا لتصفيَةِ الحساباتِ، ولا أَن نُلبسَ الأَهواءَ لباسَ الغيرَةِ على الدِّينِ.بلِ الواجبُ أَن يُحفظَ الحقُّ بالحقِّ، وأَن تُنصرَ القضايا العادلَةُ بالعدْلِ، وأَن تُراعى مقاصِدُ الشَّريعَةِ في حفْظِ الدِّينِ والنَّفسِ والعقلِ والعِرضِ والمالِ.

سادسًا: الثَّباتُ والعمَلُ الإيجابيُّ النَّافعِ:

ليسَ واجبُ المسلمِ في الفتنَةِ الانعزالَ السِّلبيَّ، ولا الاستسلامَ لليأْسِ، ولا الاكتفاءَ بالشَّكوى؛ بلْ واجبُهُ أَن يثبِتَ على الطَّاعَةِ، ويُصلحَ نفسَهُ وأَهلَهُ، ويُسهمَ في بناءِ الوعي، ونشرِ الرَّحمَةِ والوئامِ، وإغاثَةِ الملهوفِ، ونصرَةِ المظلومِ، وتعليمِ الجاهِلِ، وسدِّ الثُّغورِ الممكنَةِ.

قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]. وقال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].

فالمؤْمِنُ في زمَنِ الفتنَةِ لا يكونُ أَداةَ هَدْمٍ، ولا بوقَ إشاعَةٍ، ولا وقودَ عصبيَّةٍ؛ بلْ يكونُ صاحِبَ بصيرَةٍ ورحمَةٍ، ووعيٍ وثباتٍ؛ يُصلِحُ ما استطاعَ، ويدفَعُ الشَّرَّ ما قدَرَ، ويعلمُ أَنَّ اللهَ لا يكلِّفُ نفسًا إلَّا وسعَها.

خلاصَةُ القولِ: إنَّ الفتنَ تمضي، وتبقى آثارُها في الصَّحائِفِ؛ والسَّعيدُ مَن وُقيَ شرَّها، وثبَّتَ اللهُ قدمَهُ، وحفِظَ عليهِ دينَهُ وقلبَهُ ولسانَهُ.

فلنكن - عبادَ اللهِ - دعاةَ جمعٍ لا تفريقٍ، وبناةَ وعيٍ لا هدْمٍ، ومفاتيحَ خيرٍ لا مغاليقَ رحمَةٍ؛ نردُّ الأُمورَ إلى الوحي، ونلزمُ العَدْلَ والإنصافَ، ونُكثرُ من العبادَةِ والدُّعاءِ، ونحفظُ أَلسنتَنا عن الزَّللِ، ونعمَلُ فيما ينفَعُ الأُمَّةَ ويُرضي اللهَ تعالى.

ونسأَلُ اللهَ دائمًا بقلوبٍ وجلَةٍ: 

اللَّهُمَّ! يا مُقلِّبَ القلوبِ؛ ثبِّتْ قلوبَنا على دينِكَ.اللَّهُمَّ! جنِّبنا الفتنَ ما ظهرَ منها وما بطنَ، واجعلنا من أَهلِ البصيرَةِ والثَّباتِ، ومفاتيحِ الخيرِ ومغاليقِ الشَّرِّ، وانصرِ المظلومينَ، واجمعْ كلمَةَ المسلمينَ على الحقِّ والهدى؛ يا ربَّ العالمينَ.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

لا تَغترَّ بقوَّةِ الكلمَةِ؛ حتَّى ترى صِدْقَ المعاملَةِ..

Next
Next

الصَّبرُ على أَذى النَّاسِ من فقهِ الدَّعوَةِ..