الصَّبرُ على أَذى النَّاسِ من فقهِ الدَّعوَةِ..

سلسلَةُ بصائِرَ في المنهَجِ والواقِعِ (٤٣):

أَخي طالبَ العلمِ اللَّبيب!

اعلمْ - سدَّدكَ اللهُ - أَنَّ المسلمَ الصَّادقِ، والدَّاعيَةَ إلى اللهِ خاصَّةً؛ لا بُدَّ أَن يوطِّنَ نفسَهُ على الصَّبرِ على أَذى النَّاس، وجهلِ الجاهلينَ، وسوءِ فهمِ المخالفينَ؛ فإنَّ طريقَ الدَّعوَةِ ليسَ طريقَ راحَةٍ وسلامَةٍ من الأَذى، بلْ هو طريقُ الأَنبياءِ والمصلحينَ.

قالَ اللهُ تعالى لنبيِّهِ ﷺ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].

وقال تعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].

وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤].

فالدَّاعيَةُ ليسَ صاحبَ انتقامٍ لنفسِهِ، ولا أَسيرَ ردَّاتِ الفعلِ، ولا عبدًا لكلامِ النَّاسِ؛ بلْ هو صاحبُ رسالَةٍ، يَصبرُ ليُصلحَ، ويَحلمُ ليهدي، ويَتغافلُ ليجمعَ، ويَعفو ليبقى بابُ الخيرِ مفتوحًا.

ومن أَعظمِ فقهِ الدَّاعيَةِ: 

أَن يفرِّقَ بينَ الانتصارِ للدِّينِ والانتصارِ للنَّفسِ؛ فكثيرٌ من الخصوماتِ تبدأُ باسمِ الغيرَةِ على الحقِّ، ثم تتحوَّلُ إلى حظوظِ نفسٍ، وردودِ أَفعالٍ، وتشفٍّ من المخالفينَ.

قالَ النَّبيُّ ﷺ: »ليسَ الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّديدُ الذي يملكُ نفسَهُ عندَ الغَضَبِ« متفقٌ عليه.

وقال ﷺ: »وما زادَ اللهُ عبدًا بعفوٍ إلَّا عزًّا« رواه مسلم.

فليسَ الحلمُ ضعفًا، ولا العفوُ ذلًّا، ولا الصَّبرُ جبنًا؛ بلْ هو قوَّةُ قلبٍ، وسموُّ نفسٍ، وثقةٌ بوعدِ اللهِ.

وأَعظمُ النَّاسِ قدرَةً على ضبطِ نفسِهِ؛ هو أَقربُهم إلى هدي النَّبيِّ ﷺ فقدْ أُوذيَ، وكُذِّب، وسُبَّ، ورُمي، وشُجَّ وجهُهُ، ومعَ ذلكَ كانَ يقولُ: «اللَّهُمَّ! اغْفِرْ لِقَومي فإنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ».

وإذا كانَ بعضُ أَهلِ الحكمَةِ يقولونَ: (إذا صفعكَ أَحدٌ فاعرضْ لهُ الخدَّ الآخرِ)؛ فالمعنى الصَّحيحُ في ميزانِ الإسلامِ: لا تُقابلِ الجهلَ بجهلٍ مثلِهِ، ولا تجعلِ السَّفيهَ يُنزلكَ إلى مستواهُ، ولا تجعلْ أَذى النَّاسِ يحرمُكَ شرفَ الحلمِ والعفوِ والصَّبرِ.

لكنَّ هذا لا يعني تركَ الحقِّ، ولا تمكينَ الظَّالمِ، ولا السُّكوتَ عن الباطلِ إذا ترتَّبَ على السُّكوتِ فسادٌ أَعظمٌ؛ فالشَّريعَةُ الغرَّاءُ تجمَعُ بينَ العفوِ عندَ القدرَةِ، والحزمِ عندَ الحاجَةِ، والرِّفقِ في موضعِهِ، والشِّدَةِ في موضعِها.

 قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ [الشورى: ٤٠].

فالميزانُ الدَّقيقُ: أَن تصبرَ على الأَذى الشَّخصيِّ ما استطعتَ، وأَن تعفوَ إذا كانَ العفوُ إصلاحًا، وأَن تردَّ الباطلَ بعلمٍ وعدلٍ إذا كانَ السُّكوتُ عنهُ إضلالًا للنَّاسِ، وأَن تجعلَ قصدَكَ هدايَةَ الخلقِ لا هزيمَةَ الخصومِ.

أَيُّها الدَّاعيَةُ الصَّادقُ:

اصبرْ على جفاءِ العبادِ، واحتملْ ثِقلَ طباعِهم، وارحمْ جهلَهم، ولا تجعلْ كلَّ كلمَةٍ معركَةٍ، ولا كلَّ مخالفَةٍ خصومَةٍ، ولا كلَّ خطأٍ سببًا للهجرِ والقطيعَةِ؛ فإنَّ النَّاسَ لا يُقادونَ إلى الحقِّ بالعنفِ والانتقامِ، بلْ يُفتحُ كثيرٌ من قلوبِهم بالحلمِ والرَّحمَةِ وحُسْنِ الخُلُقِ.

ومَن أَرادَ إصلاحَ العبادِ؛ فليوسِّعْ صدرَهُ لهم؛ فإنَّ ضيقَ الصَّدرِ لا يحمِلُ رسالَةً، وسرعَةَ الغضَبِ لا تبني دعوَةً، وكثرَةَ الخصومَةِ لا تُثمرُ هدايَةً.

فالواجبُ على المسلمِ، وخاصَّةً الدَّاعيَةِ؛ أَن يكونَ واسعَ الصَّدرِ، رفيقَ العبارَةِ، عادلًا في الخصومَةِ، رحيمًا بالمخالفِ، صبورًا على الجاهلِ، ثابتًا على الحقِّ؛ لا يُستفزُّ بسهولَةٍ، ولا ينتقمُ لنفسِهِ، ولا ينسى أَنَّهُ داعيَةٌ إلى اللهِ، لا طالبُ غلبَةٍ لنفسِهِ.

اللَّهُمَّ! ارزقنا حِلمَ الأَنبياءِ، وصبرَ الصَّالحينَ، وسعَةَ صدورِ المصلحينَ، واجعلنا مفاتيحَ للخيرِ مغاليقَ للشَّرِّ، واهدِ بنا، واهدِنا، واجعلنا سببًا لمن اهتدى.. آمين!

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

منارَةُ الهُدى في زمنِ الرَّدى..

Next
Next

حكمُ مَن يكونُ سببًا في ضَعفِ الأُمَّةِ وإشغالِها بالخلافاتِ والجزئيَّاتِ: