حكمُ مَن يكونُ سببًا في ضَعفِ الأُمَّةِ وإشغالِها بالخلافاتِ والجزئيَّاتِ:
سلسلَةُ بصائِرَ في المنهَجِ والواقِعِ (٤٢):
أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!
اعلمْ - سدَّدكَ اللهُ - أَنَّ صيانَةَ وحدَةِ الأُمَّةِ الإسلاميَّةِ، وحفظَ تماسكِها، وجمعَ كلمتِها على الحقِّ، من أَوجبِ الواجباتِ الشَّرعيَّةِ، وأَعظمِ المقاصدِ المرعيَّةِ؛ إذْ لا تقومُ للأُمَّةِ قوَّةٌ معَ التَّنازعِ، ولا تُحفَظُ بيضتُها معَ التَّفرُّقِ، ولا تُصانُ حرماتُها معَ التَّدابرِ والاختلافِ.
قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].
وبناءً على ذلكَ؛ فإنَّ مَن كانَ سببًا في إضعافِ الأُمَّةِ، وتمزيقِ صفِّها، وبثِّ الفُرقَةِ بينَ أَبنائِها، وإشغالِها بالمعاركِ الجانبيَّةِ والخلافاتِ الجزئيَّةِ عن قضاياها الكُبرى؛ فقدِ ارتكبَ إثمًا عظيمًا، وجنايَةً خطيرَةً في حقِّ الدِّينِ والأُمَّةِ؛ بقَدْرِ قصدِهِ وعلمِهِ وأَثرِ فعلِهِ في الواقعِ.
وليسَ هذا الحكمُ على درجَةٍ واحدَةٍ في كلِّ الأَحوالِ؛ بلْ يختلفُ باختلافِ النِّيَّةِ، والعلمِ، والقدرَةِ، والأَثرِ، وقيامِ الحُجَّةِ، وظهورِ المفسدَةِ؛ فالشريعَةُ الغرَّاءُ تفرِّقُ بينَ الجاهلِ والمتأَوِّلِ، والمخطئِ والمُصرِّ، وصاحبِ الهوى والخائنِ المتربِّصِ.
أَوَّلًا- التَّكييفُ الشَّرعيُّ لهذا المسلكِ:
مَن تعمَّدَ تفريقَ المسلمينَ، أَو أَشغلَهم بما يضعفُ قوَّتَهم، ويفتُّ في عَضُدِهم، ويصرفُهم عن واجباتِ الوقتِ وقضايا الأُمَّةِ الكُبرى؛ فهو داخِلٌ في أَبوابٍ خطيرَةٍ من الإثمِ، منها:
١- السَّعيُ في الفسادِ: لأَنَّ تفريقَ الكلمَةِ، وإضعافَ الصَّفِّ، وإثارَةَ الخصوماتِ التي تفتحُ الطريقَ للأَعداءِ؛ من صورِ الفسادِ العظيمِ. قال تعالى: ﴿وَاللهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥].
٢- مشابهةُ مسالكِ المفرِّقين: وقدْ ذمَّ اللهُ صنيعَ أَهلِ مسجدِ الضِّرار؛ لأَنَّ من مقاصدِهم: ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٠٧].
فكلُّ عملٍ، أَو خطابٍ، أَو تجمُّعٍ يُرادُ بهِ شقُّ الصَّفِّ، وتمزيقُ الأُخوَّةِ، وإضعافُ جماعَةِ المسلمينَ؛ ففيهِ شَبَهٌ من هذا المعنى الخطيرِ؛ بحسبِ قصدِ صاحبِهِ وأَثرِ فعلِهِ.
٣- إحياءُ العصبيَّاتِ المذمومَةِ: سواءٌ كانتْ عصبيَّةً لحزبٍ، أَو جماعَةٍ، أَو شيخٍ، أَو مذهبٍ، أَو قومٍ، أَو بلدٍ؛ إذا صارتْ تُقدَّمُ على حقِّ الإسلامِ، وتُفسدُ أُخوَّةَ الإيمانِ، وتُحوِّلُ الخلافَ السَّائغَ إلى عداوَةٍ وبغضاءٍ.
٤- مشابهةُ أَهلِ التَّفرُّق والاختلافِ: قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥].
فالتفرُّقُ بعدَ ظهورِ الحقِّ وقيامِ البَيِّناتِ من أَعظمِ أَسبابِ الهلاكِ والخذلانِ.
ثانيًا- رتبةُ الإثمِ وخطرُهُ:
تفريقُ كلمَةِ المسلمينَ ليسَ ذنبًا هيِّنًا؛ بلْ هو من أَعظمِ أَبوابِ الفسادِ، وقدْ يرقى إلى كبائرِ الذُّنوبِ إذا ترتَّبَ عليهِ تمزيقُ الصَّفِّ، وإثارَةُ الفتنِ، وإضعافُ الأُمَّةِ، وفتحُ الطريقِ لأَعدائِها، أَو تضييعُ الحقوقِ والحرماتِ.
وقدْ جاءَ الوعيدُ الشَّديدُ فيمنْ يريدُ تفريقَ الجماعَةِ وشقَّ العصا؛ ممَّا يدلُّ على غِلظِ هذِهِ الجنايَةِ وخطورَةِ أَثرِها.لكنْ ينبغي أَن يُعلمَ أَنَّ الأَحكامَ القضائيَّةَ والعقوباتِ الشَّرعيَّةَ لا يتولاها آحادُ النَّاسِ، ولا تُنزَّلُ على الأَعيانِ بالظُّنونِ والانفعالاتِ؛ بلْ مرجعُها إلى القضاءِ الشَّرعيِّ، وأَهلِ العلمِ والبَيِّنةِ، معَ مراعاةِ الشُّروطِ وانتفاءِ الموانعِ.
فليسَ لأَحدٍ أَن يجعلَ هذا البابَ سُلَّمًا للتَّكفيرِ، أَو التَّبديعِ بغيرِ بيِّنَةٍ، أَو إسقاطِ النَّاسِ بالهوى، أَو التَّحريضِ على الفوضى؛ فإنَّ علاجَ الفتنَةِ لا يكونُ بفتنَةٍ مثلِها، ولا يُدفَعُ الباطلُ بباطلٍ أَكبرَ منهُ.
ثالثًا- التَّفريقُ بينَ أَصنافِ الفاعلينَ:
العَدْلُ الشَّرعيُّ يقتضي التَّفصيلَ وعدمَ التَّسويَةِ بينَ النَّاسِ في الحكم:
١- المتربِّصُ الخائنُ: وهو مَن يَثبتُ تعمُّدُهُ تفكيكَ الأُمَّةِ، أَو العمَلُ لصالحِ عدوٍّ محاربٍ، أَو إعانَةُ خصومِ المسلمينَ على دينِهم وأَمنِهم ووحدتِهم؛ فهذا فعلُهُ من أَعظمِ الخيانَةِ، وقدْ يبلَغُ منَ الخطورَةِ ما يبلغ؛ لكنَّ تنزيلَ أَحكامِ الكُفْرِ أَو الرِّدَّةِ أَو العقوبَةِ على المعيَّن لا يكونُ إلَّا بسلطانِ القضاءِ الشَّرعيِّ وأَهلِ العلمِ، بعدَ تحقُّقِ الشُّروطِ وانتفاءِ الموانعِ.
٢- صاحبُ الهوى والعصبيَّة: وهو مَن يُقدِّم مصلحَةَ حزبِهِ، أَو جماعتِهِ، أَو مذهبِهِ، أَو شخصِهِ، على مصلحَةِ الأُمَّةِ وثوابتِ الدِّينِ؛ فيُشعلُ الخصوماتِ، ويُوسِّعُ دوائرَ العداوَةِ، ويجعلُ الولاءَ والبراءَ على مسائلَ اجتهاديَّةٍ أَو انتماءاتٍ ضيِّقَةِ؛ فهذا آثمٌ بقدْرِ ما عندَهُ من هوى وتعصُّبٍ وإفسادٍ، ويجبُ التَّحذيرُ من مسلكِهِ بعلمٍ وعدلٍ وحكمَةٍ، دونَ ظُلمٍ ولا بغيٍ ولا فُجورٍ في الخصومَةِ.
٣- الجاهلُ المتحمِّس: وهو مَن يحملُ غَيرةً غيرَ منضبطةٍ بالعلمِ؛ فيُضخِّمُ الجزئيَّاتِ، ويُثيرُ الخصوماتِ، ويظنُّ أَنَّهُ ينصرُ الدِّينَ وهو يضرُّهُ من حيثُ لا يشعر؛ فهذا يُعلَّمُ ويُنصحُ ويُوجَّهُ، فإن أَصرَّ بعدَ البيانِ، وظهرَ أَثرُ إفسادِهِ، أُنكِرَ عليهِ بقدْرِ خطئِهِ وضررِهِ.
٤- المخطئُ المتأَوِّلُ: وهو مَن أَرادَ الخيرَ لكنَّهُ أَخطأَ في تقديرِ الأَولويَّاتِ والمآلاتِ؛ فهذا لا يُعامَلُ معاملَةَ المتربِّصِ ولا صاحبِ الهوى، بلْ يُردُّ خطؤُهُ، وتُحفظُ مكانتُهُ بقدْرِ ما عندَهُ من فضلٍ وصدقٍ، ويُناصَحُ بالحكمَةِ والرِّفقِ.
رابعًا- بينَ بيانِ الحقِّ وحفظِ وحدَةِ الأُمَّةِ:
ينبغي أَن يُفهمَ هذا البابُ بفهمٍ صحيحٍ؛ فليسَ المقصودُ تركَ البيانِ العلمي، ولا السُّكوتَ عن الباطلِ، ولا تمييعَ الحقائقِ، ولا إلغاءَ الرُّدودِ المنضبطَة؛ فإنَّ الحقَّ يُبيَّنُ، والباطلَ يُردُّ، والسُّنَّةَ تُنصَرُ، والخطأَ يُصحَّحُ.لكنَّ المذمومَ أَن تتحوَّلَ المسائلُ الاجتهاديَّةُ والخلافاتُ الجزئيَّةُ إلى معاركَ ولاءٍ وبراءٍ؛ تُهدرُ الطاقاتِ، وتُميتُ الأُخوَّةَ، وتُسقطُ هيبَةَ العلمِ، وتُشغلُ الأُمَّةَ عن واجباتِ وقتِها، وقضاياها المصيريَّةِ الكبرى.
فالردُّ العلميُّ إذا كانَ بعلمٍ وعدلٍ ورحمَةٍ وبصيرَةٍ؛ فهو من النَّصيحَةِ الواجبَةِ، وأَمَّا إذا صارَ سوقًا للمهاتراتِ، وتصفيَةً للحساباتِ، وإثارَةً للعصبيَّاتِ، وتوسيعًا للعداواتِ؛ فقدْ خرجَ عن مقصودِ العلمِ إلى فتنَةِ الجدَلِ والخصومَةِ.
خامسًا- من صورِ الجنايَةِ على الأُمَّة:
من أَخطرِ صورِ إضعافِ الأُمَّةِ: استدعاءُ الخلافاتِ التَّاريخيَّةِ الميتَّةِ، وتضخيمُ المسائلِ الاجتهاديَّةِ السَّائغَةِ، وتحويلُ الجزئيَّاتِ إلى معاركَ مصيريَّةِ، وتقديمُ حظوظِ الأَشخاصِ والجماعاتِ على كليَّاتِ الدِّين، وإشغالُ النَّاسِ عن نُصرَةِ المظلومِ، وحفظِ الدِّماءِ، وتعليمِ الجاهلِ، وتربيَةِ الأَجيالِ، وبناءِ الوعي، وإعدادِ القوَّةِ المشروعَةِ.
وهذِهِ الجنايَةُ تشتَدُّ خطورتُها إذا وقعتْ في زمنِ النَّوازلِ والكوارثِ؛ حينَ تكونُ الأُمَّةُ أَحوجَ ما تكونُ إلى جمعِ الكلمَةِ، وتقديمِ الأَولويَّاتِ، وتخفيفِ الخصوماتِ، وإحياءِ معاني الأُخوَّةِ والنُّصرَةِ والتَّراحمِ.
قالَ النَّبيُّ ﷺ: »مَن دعا إلى ضلَالَةٍ؛ كانَ عليهِ مِنَ الإثمِ مثلُ آثامِ مَنْ تبعَهُ، لا ينقصُ ذلكَ من آثامِهم شَيْئًا« رواه مسلم.
وقال ﷺ: »إنَّ منَ النَّاسِ مفاتيحَ للخيرِ مغاليقَ للشَّرِّ، وإنَّ منَ النَّاسِ مفاتيحَ للشَّرِّ مغاليقَ للخيرِ« رواه ابن ماجة.
سادسًا- الميزانُ الشَّرعيُّ في هذا البابِ:
الميزانُ الجامعُ هنا: أَن يكونَ البيانُ بعلمٍ وعدلٍ ورحمَةٍ وبصيرَةٍ، وأَن تُراعى مراتبُ المصالحِ والمفاسدِ، وأَن تُقدَّمَ ثوابتُ الدِّينِ ومقاصدُ الشَّريعَةِ ووحدَةُ المسلمينَ على حظوظِ النُّفوسِ وضجيجِ الخصوماتِ.
فمَن جمعَ الكلمَةَ على الحقِّ؛ فهو من مفاتيحِ الخيرِ، ومَن فرَّقَها بالهوى والجهلِ والتَّعصُّبِ؛ فهو من مفاتيحِ الشَّرِّ.
ومَن اشتغلَ بالبناءِ والإصلاحِ والتَّعليمِ والنَّصيحَةِ؛ فهو ناصرٌ للأُمَّةِ، ومَن اشتغلَ بالهدمِ والتَّخذيلِ والتَّهييجِ والخصوماتِ العقيمَةِ؛ فهو شريكٌ في إضعافِها بقدْرِ أَثرِ فعلِهِ.
الخلاصةُ والمخرج:
إنَّ إشغالَ الأُمَّةِ بالخلافاتِ الجزئيَّةِ على حسابِ قضاياها الكُبرى مسلكٌ محرَّمٌ خطيرٌ، وجنايَةٌ على الدِّينِ والأُمَّةِ، لا سيَّما إذا صدرَ عن هوى، أَو عصبيَّةٍ، أَو رغبَةٍ في الصَّدارَةِ، أَو خدمَةٍ لأَعداءِ المسلمينَ.
والواجبُ على الدُّعاةِ وطلبَةِ العلمِ وأَهلِ الإصلاح؛ أَن يقدِّموا فقهَ الائتلافِ على ضجيجِ الاختلافِ، وأَن يشتغلوا بالكليَّاتِ قبلَ الجزئيَّاتِ، وبالبناءِ قبلَ الهدمِ، وبجمعِ الكلمَةِ على الحقِّ قبلَ توسيعِ دوائرِ الخصومَةِ، وأَن يكونَ إنكارُهم بعلمٍ ورحمَةٍ وبصيرَةٍ وعدلٍ.فالحقُّ لا يُنصرُ بالفوضى، ولا تُحفظُ الأُمَّةُ بالتَّنازعِ، ولا تُبنى النهضَةُ بالخصوماتِ؛ إنَّما تُبنى بالإيمانِ الصَّادقِ، والعلمِ النَّافعِ، والعملِ الرَّاشدِ، والأُخوَّةِ الصَّادقَةِ، والعدلِ والإنصافِ، وجمعِ الكلمَةِ على كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِهِ ﷺ.
اللُّهمَّ! اجعلنا مفاتيحَ للخيرِ مغاليقَ للشَّرِّ، واجمعْ كلمَةَ المسلمينَ على الحقِّ والهدى، وأَصلحْ ذاتَ بينهم، واهدِهم سُبُلَ السَّلامِ، وجنِّبهم الفتنَ ما ظهرَ منها وما بطنَ.. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

