»الثَّباتُ عندَ الشَّدائِدِ مِن طريقِ النَّصْرِ«:
أَخي المسلم الصادق!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للثَّباتِ والصَّبرِ وحُسنِ التَّوكُّلِ - أَنَّ طريقَ أَصحابِ الرِّسالاتِ والمشروعاتِ الكبرى لم يكنْ مفروشًا بالرَّاحَةِ، وأَنَّ النَّصرَ لا يُقاسُ بمجرَّدِ القدرَةِ على توجيهِ الضَّرباتِ إلى الخصْمِ؛ بلْ مِن أَعظمِ مقوِّماتِهِ «القدرَةُ على امْتِصاصِ الصَّدماتِ، والثَّباتُ عندَ المحنِ، وحفْظُ البوصلَةِ حينَ تضطربُ الأَحوالُ».
قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
فكم مِن صاحبِ قوَّةٍ أَضعفَهُ الجزَعُ وسوءُ التَّقديرِ عندَ أَوَّلِ ابتلاءٍ، وكم مِن مُسْتضعَفٍ ثبَّتَهُ اللهُ بالصَّبرِ واليقينِ؛ فخرجَ مِن محنتِهِ أَعمَقَ بصيرَةً، وأَرسَخَ تجربَةً، وأَشَدَّ معرفَةً بنفسِهِ وواقعِهِ.
وليسَ الثَّباتُ أَن لا تتأَلَّمَ، ولا أَن لا تتأَثَّرَ؛ فذلكَ خلافُ طبيعَةِ البَشرِ، وإنَّما الثَّباتُ أَن «لا يتحوَّلَ الأَلمُ إلى يأْسٍ، ولا الخسارَةُ إلى انْهيارٍ، ولا الصَّدمَةُ إلى تخَلٍّ عن الحقِّ والمبدَأِ.
فاثْبتْ إذا اضْطَربَ مَن حولَكَ، واحفْظْ دينَكَ وقلبَكَ وعقلَكَ عندَ الشَّدائدِ، ولا تجعًلِ الضَّربَةَ الواحدَةَ تُفسِدُ عليكَ مسيرَةَ سنواتٍ؛ فإنَّ صاحِبَ الرُّؤْيَةِ لا يحكمُ على الطَّريقِ مِن لحظَةِ أَلمٍ، بلْ ينظرُ إلى العاقبَةِ، ويُحسنُ التَّعلُّمَ مِن المحنَةِ، ويعودُ بعدها أَكثرَ رشدًا واستعدادًا.
فالنَّصرُ الحقيقيُّ ليسَ أَن لا تُبتلى، وإنَّما أَن لا تُخرِجَكَ المحنَةُ مِن إيمانِكَ، ولا مِن مبادئِكَ، ولا مِن رُشدِكَ؛ وأَن تخرجَ مِنها أَصلبَ يقينًا، وأَحكمَ نظرًا، وأَصدَقَ افتقارًا إلى اللهِ.
فاللَّهُمَّ! ارْبِطْ على قلوبِنا عندَ الشَّدائدِ، وارزقْنا صبرَ الصَّادقينَ، وثباتَ المؤمنينَ، وبصيرَةً نُحسنُ بها فَهمَ المحنِ، واجعَلْ ما يُصيبُنا زيادَةً في الإيمانِ والرُّشدِ، ولا تجعلْهُ سببًا للانكسارِ أَو الانحرافِ عن الحقِّ.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

