»كلمَةٌ إِلى المريضِ: التَّداوي مِنْ تَمامِ التَّوكُّلِ«:
أَخي المريض المبتلى!
يا مَن ابتُلِيتَ بمرضٍ شديدٍ؛ لا تظنَّ أَنَّ ذهابَكَ إلى الطَّبيبِ ضعفٌ في يقينِكَ، ولا أَنَّ تناولَكَ الدَّواءَ نقصٌ في توكُّلِكَ؛ فإنَّكَ حينَ تسعى في علاجِ بدنِكَ إنَّما تقومُ بحقِّ أَمانَةٍ استودعَكَ اللهُ إيَّاها، وتأْخذُ بسبَبٍ مشروعٍ مِنَ الأَسبابِ التي قدَّرَها اللهُ لعبادِهِ.
فتداوَ، وخُذْ بالأَسبابِ، واستشِرْ أَهلَ الاختصاصِ، والتزمْ ما يغلبُ على الظنِّ نفعُهُ، وأَكثِرْ مِنَ الدُّعاءِ والافتقارِ إلى اللهِ؛ لكن لا تجعلْ قلبَكَ معلَّقًا بطبيبٍ ولا بدواءٍ، بلْ اجعلْ رجاءَكَ كلَّهُ باللهِ، واعلمْ أَنَّ الطَّبيبَ والدَّواءَ أَسبابٌ، وأَنَّ الشِّفاءَ بيدِ اللهِ وحدَهُ.
فإنْ كتبَ اللهُ لكَ الشِّفاءَ؛ فاحمدْهُ واشكرْهُ، واعرفْ أَنَّ الفضلَ لهُ أَوَّلًا وآخرًا.
وإنْ تأَخَّرَ الشِّفاءُ؛ فلا تيأَسْ، ولا تُهمِلْ ما ينفعُكَ، ولا تجعلْ طولَ البلاءِ سببًا لتركِ العلاجِ أَو ضَعفِ الرَّجاءِ.
وإنْ عجزَ الطِّبُّ عن إزالَةِ أَصلِ المرضِ؛ فلا يعني ذلكَ انقطاعَ أَبوابِ الرِّعايَةِ؛ فقدْ يبقى بابُ تخفيفِ الأَلمِ، وتحسينِ جودَةِ الحياةِ، والرِّعايَةِ التَّلطيفيَّةِ، وحفْظِ كرامَةِ المريضِ مفتوحًا، وهذِهِ كلُّها مِنَ الأَخذِ بالأَسبابِ والإحسانِ إلى النَّفسِ.
وإنْ جرى عليكَ بعدَ بذْلِ الوسعِ ما لا تحبُّ؛ فقدْ أَدَّيتَ ما عليكَ، ولم تُقصِّرْ في الأَمانَةِ، وكانَ لكَ - بإذنِ اللهِ - أَجرُ السَّعي، والصَّبرِ، وحُسْنِ التَّوكُّلِ، والرِّضا بقضاءِ اللهِ بعدَ وقوعِهِ.
فالمؤمنُ لا يتركُ الأَسبابَ بحجَّةِ القَدَرِ، ولا يتعلَّقُ بالأَسبابِ وينسى رَبَّ القَدَرِ؛ بلْ يجمَعُ بينَ التَّداوي والتَّوكُّلِ، وبينَ السَّعي والتَّسليمِ، وبينَ الرَّجاءِ والرِّضا.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

