»الثِّقَةُ بوعْدِ اللهِ في طريقِ الدَّعوَةِ«:
أَخي الدَّاعية الصَّادِق!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للثَّباتِ على الحقِّ، وصِدقِ التَّوكُّلِ عليهِ - أَنَّ مَن سلكَ سبيلَ الدَّعوَةِ إلى اللهِ تعالى بإخلاصٍ وبصيرَةٍ؛ فعليه أَن يملأَ قلبَهُ ثقَةً بوعدِ ربِّهِ، ويقينًا بحُسنِ تدبيرِهِ، ورضًا بحُكمِهِ، وحُسنَ ظنٍّ بنصرِهِ وتأْييدِهِ.
فطريقُ الدَّعوَةِ ليسَ مفروشًا بالرَّاحَةِ، ولا خاليًا مِنَ الابتلاءِ والعقباتِ؛ بل هو طريقٌ قدْ يطولُ فيهِ الانتظارُ، ويشتدُّ فيهِ الأَذى، ويقلُّ فيهِ النَّاصرُ، وتكثرُ فيهِ أَصواتُ التَّثبيطِ والتَّخذيلِ.. غيرَ أَنَّهُ طريقٌ محفوفٌ بعنايَةِ اللهِ وتوفيقِهِ لِمَن صدقَ واتَّقى، وثبتَ على الحقِّ، ولم يستبدِلْ رضا الخَلْقِ برضا الخالْقِ.
فلا تلتفِتْ إلى كثرَةِ المُخذِّلينَ، ولا تستوحشْ مِن قلَّةِ السَّالكينَ، ولا تَضِقْ بطولِ الطَّريقِ؛ فإنَّ العبرَةَ ليسَتْ بكثرَةِ الأَتباعِ، ولا بسرعَةِ ظهورِ الثَّمراتِ، وإنَّما العبرَةُ بصِدْقِ الوجهَةِ، وسلامَةِ المنهجِ، وصوابِ العمَلِ، والثَّباتِ على مرادِ اللهِ تعالى.
قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الرُّوم: ٤٧].
وقالَ سبحانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمَّد: ٧].
ونصرُ اللهِ لعبادِهِ لا ينحصرُ في صورَةٍ واحدَةٍ؛ فقدْ يكونُ بظهورِ الحقِّ، أَو ثباتِ أَهلِهِ، أَو دَفْعِ البلاءِ، أَو إبطالِ كيدِ الباطلِ، أَو بقاءِ الأَثرِ بعدَ رحيلِ الدَّاعيَةِ، وقدْ يُؤخَّرُ تمامُهُ لحِكمةٍ يعلمُها اللهُ، والعاقبَةُ في جميعِ الأَحوالِ لأَهلِ التَّقوى والصَّبرِ والإيمانِ.
فامضِ إلى اللهِ مطمئِنَّ القلبِ، مستقيمَ المنهجِ، باذلًا للأَسبابِ المشروعَةِ، مستعينًا بربِّكَ، غيرَ مستعجلٍ للثَّمرَةِ، ولا متعلِّقٍ بمدحِ النَّاسِ وقبولِهم؛ فإنَّ عليكَ صِدْقَ البلاغِ والعمَلِ، وأَمَّا الهدايَةُ والنَّصرُ والتَّمكينُ وظهورُ النَّتائجِ فكلُّها بيدِ اللهِ وحدَهُ.
فمَن كانَ باللهِ أَوثقَ مِن نفسِهِ وأَسبابِهِ، لم تكسرْهُ العوائِقُ، ولم تُضعِفْهُ قلَّةُ الأَعوانِ، ولم تُزعزعْهُ تقلُّباتُ الطَّريقِ؛ لأَنَّهُ يعلمُ أَنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ، وأَنَّ تدبيرَهُ خيرٌ، وأَنَّ ما عندَهُ لا يُنالُ بالعجلَةِ، وإنَّما يُنالُ بالصِّدْقِ والصَّبرِ والتَّقوى.
فاللَّهُمَّ! ثبِّتْنا على سبيلِكَ، وارزقْنا صِدْقَ التَّوكُّلِ عليكَ، وكمالَ الثِّقَةِ بوعدِكَ، واجعلْنا مِنَ الصَّادقينَ في نُصرةِ دينِكَ، الصَّابرينَ على ما نلقى في سبيلِكَ، الرَّاضينَ بحُسنِ تدبيرِكَ، ولا تَكِلْنا إلى أَنفسِنا طرفةَ عينٍ.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

