»الإيمانُ الصَّادِقُ: اعْتِقادٌ وعمَلٌ وسَعْيٌ وأَخْذٌ بالأَسبابِ«:

أَخي المسلم اللَّبيب!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للإيمانِ الصَّادقِ، والعمَلِ الصَّالحِ، وحُسنِ التوكُّلِ عليهِ - أَنَّ الإيمانَ في ميزانِ الشَّريعَةِ ليسَ دَعوى تُقالُ باللِّسانِ، ولا أُمنيَةً تُعلَّقُ في القلبِ بِلا أثرٍ؛ بلْ هو »اعتقادٌ بالقلبِ، وقولٌ باللِّسانِ، وعملٌ بالقلبِ والجوارحِ؛ يزيدُ بالطاعَةِ وينقصُ بالمعصيَةِ«.

فالإيمانُ الصَّادقُ يُثمرُ عمَلًا، واليقينُ الحقُّ يبعَثُ على السَّعي، والتَّوكُّلُ الصَّحيحُ لا يُلغي الأَخْذَ بالأَسبابِ؛ بلْ يضعُها في موضعِها الشَّرعيِّ: »الأَسبابُ تُبذَلُ، والقلوبُ تتعلَّقُ باللهِ، والنَّتائجُ تُفوَّضُ إلى ربِّ العالمينَ«.

ولهذا قرنَ اللهُ تعالى في كتابِهِ بينَ الإيمانِ والعملِ الصَّالحِ في مواضِعَ كثيرةٍ؛ ليُقرِّرَ أَنَّ الإيمانَ الذي لا يظهَرُ أَثرُهُ على السُّلوكِ والعمَلِ إيمانٌ ناقصُ الأَثرِ، وأَنَّ طريقَ العبوديَّةِ لا يقومُ على التَّمنِّي والأَماني، وإنَّما على صِدْقِ الإيمانِ، وحُسنِ الاتِّباعِ، وبذْلِ الوُسعِ فيما أَمرَ اللهُ بهِ.

قالَ اللهُ تعالى:﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾.

وقالَ سبحانه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾.

غيرَ أَنَّ العمَلَ - معَ عِظَمِ شأْنِهِ - ليسَ ثمنًا مستقلًّا للجنَّةِ، ولا يستغني بهِ العبدُ عن فضْلِ اللهِ ورحمتِهِ؛ وإنَّما الأَعمالُ مِن أَسبابِ رحمتِهِ ورضوانِهِ، والفضْلُ أَوَّلًا وآخرًا للهِ تعالى.

وتأَمَّلْ - رعاكَ اللهُ - كيفَ علَّمنا القرآنُ الجمَعَ بينَ »كمالِ الاعتمادِ على اللهِ وكمالِ القيامِ بما أُمرنا بهِ من الأَسبابِ«؛ فمَعَ أَنَّ معجزاتِ الأَنبياءِ - عليهم السَّلامُ - كانَتْ مِن عندِ اللهِ وحدَهُ، ولا قدرَةَ للأَسبابِ على إيجادِ نتائجِها استقلالًا؛ أُمرَ الأَنبياءُ بفعْلِ ما أَمرَهم اللهُ بهِ مِن أَسبابٍ؛ تحقيقًا للعبوديَّةِ وإقامَةً لسُنَّةِ الأَخذِ بالأَسبابِ.

فقالَ اللهُ تعالى لموسى عليهِ السَّلامُ: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾.

وقالَ لنوحٍ عليهِ السَّلامُ: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾.

وقالَ لمريمَ عليها السَّلامُ في حالِ ضعفِها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾.

فالذي شقَّ البحرَ هو اللهُ، ولكنَّ موسى أُمرَ أَن يضربَ بعصاهُ.

والذي أَنجى نوحًا هو اللهُ، ولكنَّهُ أُمرَ بصُنعِ الفُلكِ.

والذي أَسقطَ الرُّطبَ لمريمَ هو اللهُ، ولكنَّها أُمرتْ أَن تهزَّ جِذعَ النَّخلةِ.

وهُنا تتجلَّى قاعدَةٌ عظيمَةٌ في «فقهِ الإيمانِ»:

•⁠ ⁠النَّصرُ مِن اللهِ، ولكنَّ العبدَ مأْمورٌ ببذْلِ أَسبابِه.

•⁠ ⁠والتَّوفيقُ مِن اللهِ، ومِن أَسبابِهِ صِدْقُ السَّعي والطَّاعَةُ.

•⁠ ⁠والفَرَجُ مِن اللهِ، والعبدُ مأْمورٌ بالصَّبرِ والعمَلِ والثَّباتِ وانتظارِهِ بحُسنِ ظنٍّ؛ لا بقعودٍ وتواكلٍ.

فلا تجعلِ التَّوكُّلَ تواكلًا، ولا الرِّضا بالقَدَرِ تعطيلًا للأَسبابِ، ولا انتظارَ الفَرَجِ ذريعَةً للقعودِ؛ بلِ اعملْ بما تستطيعُ، وخُذْ بالأَسبابِ المشروعَةِ، واستفرغْ وُسعَكَ في الطاعَةِ، ثمَّ علِّقْ قلبَكَ بربِّ الأَسبابِ، لا بالأَسبابِ نفسِها.

واعلمْ أَنَّ مِن تمامِ العبوديَّةِ أَن تسعى وكأَنَّكَ مسؤولٌ عن بذْلِ كلِّ ما تستطيعُ، وأَن تتوكَّلَ وكأَنَّكَ لا تملكُ مِن النَّتيجَةِ شيئًا؛ لأَنَّ واجبَكَ السَّعيُ، وأَمَّا التَّوفيقُ والثَّمرَةُ فبيدِ اللهِ وحدَهُ.

فالمؤمنُ الحقُّ لا يقعدُ باسمِ التَّوكُّلِ، ولا يغتَرُّ بالأَسبابِ باسمِ العمَلِ؛ بلْ يجمَعُ بينَ »إيمانٍ يملأُ القلبَ، وعمَلٍ تُصدِّقُهُ الجوارحُ، وسَعْيٍ يستفرغُ الوُسِعَ، وتوكُّلٍ يردُّ الأَمرَ كلَّهُ إلى اللهِ«.

فاللَّهُمَّ! ارزقْنا إيمانًا صادقًا، وعملًا صالحًا، وسعيًا مباركًا، وتوكُّلًا حسنًا، ووفِّقْنا لبذلِ ما نستطيعُ في مرضاتِكَ، ولا تَكِلْنا إلى أَنفسِنا طرفةَ عينٍ، واجعلْ عاقبةَ أَمرِنا رشدًا وخيرًا.. آمين!

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

»الثِّقَةُ بوعْدِ اللهِ في طريقِ الدَّعوَةِ«:

Next
Next

»الجمالُ الحقيقيُّ أَثرٌ لا مَلامحُ«: