»الجمالُ الحقيقيُّ أَثرٌ لا مَلامحُ«:

أَخي المسلم اللَّبيب!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لجمالِ الباطنِ، وحُسنِ الخُلُقِ، وطِيبِ السَّريرةِ - أَنَّ الجمالَ الحقيقيَّ لا يُختزلُ في ملامحَ تستحسنُها الأَبصارُ حينًا، ثمَّ يعتريها التَّغيُّرُ والذُّبولُ؛ وإنَّما الجمالُ الأَبقَى هو «جمالُ القلبِ بالإيمانِ والتَّقوى، وجمالُ الرُّوحِ بالصَّفاءِ، وجمالُ العقْلِ بالحكمةِ والرُّشدِ، وجمالُ الخُلُقِ بالرَّحمَةِ والإحسانِ».

فكم مِن صورَةٍ حسنَةٍ أَفسَدَ رونقَها الكِبرُ، وقسوَةُ القلبِ، وسوءُ المعاملَةِ؛ وكم مِن وجْهٍ لم تُبهرْ ملامحُهُ الأَبصارَ، ولكنَّ الأَدَبَ والرَّحمَةَ والصِّدْقَ والتَّواضِعَ وطيبَ المعشَرِ أَكسبَتْ صاحبَهُ جمالًا تسكُنُ إليهِ القُلوبُ.

وجمالُ الصُّورَةِ نعمَةٌ مِن نِعَمِ اللهِ تُشكَرُ، ولكنَّهُ ليسَ ميزانَ الفضْلِ والكرامَةِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى قالَ:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

فالملامِحُ مهما بلغَتْ مِنَ الحُسنِ فمصيرُها إلى التَّغيُّرِ، أَمَّا جمالُ الإيمانِ والخُلُقِ والعقْلِ الرَّاشدِ، فيمتَدُّ أَثرُهُ في النُّفوسِ، ويُثمِرُ محبَّةً صادقَةً، وذِكرًا حسَنًا، وأَثرًا طيِّبًا قدْ يبقَى بعدَ غيابِ صاحبِهِ.

فلا تجعَلْ عنايتَكَ كلَّها بصورَةٍ تفنَى، وتغفَلْ عن حقيقَةٍ تبقَى؛ فإنَّ قيمَةَ الإنسانِ لا تُقاسُ بما تلتقطُهُ العيونُ مِن ملامحِهِ، وإنَّما بما يحملُهُ قلبُه مِن إيمانٍ، وما يظهِرُ على سلوكِهِ مِن تقوًى وخُلُقٍ، وما يتركُهُ في عبادِ اللهِ مِن خيرٍ وأَثرٍ.

فالجمالُ الحقيقيُّ ليسَ ما يُدهشُ العينَ لحظةً؛ بلْ ما يَسكُنُ القلبَ، ويَحسُنُ معهُ العِشرَةُ، ويبقَى أَثرُهُ كريمًا بعدَ الغيابِ.

فاللَّهُمَّ! جمِّلْ قلوبَنا بالإيمانِ والتَّقوى، وأَرواحَنا بالصَّفاءِ، وعقولَنا بالحكمةِ والرُّشدِ، وأَخلاقَنا بالرَّحمةِ والإحسانِ، واجعلْ لنا في عبادِكَ أَثرًا طيِّبًا مباركًا.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

»الإيمانُ الصَّادِقُ: اعْتِقادٌ وعمَلٌ وسَعْيٌ وأَخْذٌ بالأَسبابِ«:

Next
Next

»لا تَستصغِرْ عملًا صالحًا«: