»لا تَستصغِرْ عملًا صالحًا«:
أَخي الدَّاعية الصَّادق!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للإخلاصِ والقَبولِ وحُسنِ العمَلِ - أَنَّ اللهَ تعالى لا يُضيعُ مِن عمَلِ الخيرِ شيئًا، وإن دقَّ في أَعينِ النَّاسِ وصغُرَ في موازينِهم؛ قالَ تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾.
فالعمَلُ الصَّالحُ إذا أُريدَ بهِ وجْهُ اللهِ تعالى، ووافقَ هَدْيَ رسولِهِ ﷺ فلا تَستصغِرْهُ وإنْ بدَا في أَعينِ النَّاسِ قليلًا؛ فإنَّ ميزانَ اللهِ ليسَ كموازينِ الخَلْقِ، وقدْ يعظُمُ العمَلُ اليسيرُ بصِدْقِ النِّيَّةِ، وخفاءِ الإخلاصِ، وشدَّةِ الحاجَةِ إليهِ، وعظيمِ نفعِهِ.
فلا تَستصغِرْ طاعَةً، ولا تَزهَدْ في معروفٍ، ولا تَحتقرْ أَثرًا صالحًا؛ فإنَّ العبرَةَ ليسَتْ بكِبَرِ صورَةِ العمَلِ وحدَها، بلْ بصِدقِهِ وإخلاصِهِ، وموافقتِهِ للشَّرعِ، وما يترتَّبُ عليهِ مِن خيرٍ ونفعٍ، ثمَّ بفضْلِ اللهِ وقَبولِهِ.
ونحنُ لا نعلَمُ - بعدَ فضْلِ اللهِ ورحمتِهٍ - أَيُّ أَبوابِ الخيرِ يكونُ سببًا في رفْعِ درجاتِنا، أَو تكفيرِ سيِّئاتِنا، أَو نجاتِنا يومَ نلقاهُ:
أَرَكعَةٌ أَخلَصَ فيها القلْبُ؟
أَم صدقَةٌ خفيَّةٌ لم يعلمْ بها إلَّا اللهُ؟
أَم شَربَةُ ماءٍ سقيتَها ظمآنَ؟
أَم حاجَةُ مسلمٍ قضيتَها؟
أَم كلمَةٌ طيِّبَةٌ جبرَتَ بها قلبًا؟
أَم ذِكرٌ خرَجَ مِن قلْبٍ منْكسِرٍ؟
أَم كلمَةُ حقٍّ قلتَها للهِ؛ لا تطلبُ بها مدحًا ولا جاهًا؟
وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ: »لا تَحقِرَنَّ مِنَ المعْروفِ شَيْئًا«.
وقالَ ﷺ: »اتَّقوا النَّارَ ولو بشِقِّ تمرَةٍ«.
فلا تُؤجِّلِ الخيرَ انتظارًا لعمَلٍ كبيرٍ، ولا تَزهَدْ في طاعَةٍ لأَنَّها تبدو يسيرَةً؛ فرُبَّ عمَلٍ صغيرٍ في صورتِهِ عظَّمَهُ الإخلاصُ، ورُبَّ كلمَةٍ صادقَةٍ أَحيا اللهُ بها قلبًا، ورُبَّ إحسانٍ خفيٍّ لم يلتفِتْ إليهِ النَّاسُ كانَ عندَ اللهِ عظيمًا.
وليسَ المقصودُ أَنَّ الأَعمالَ كلَّها سواءٌ؛ فإنَّ الشَّرائِعَ والفرائِضَ تتفاوتُ في مراتبِها، ولكنَّ المقصودَ «أَلَّا يَحتقِرَ العبدُ بابًا مِن أَبوابِ المعروفِ فتحَهُ اللهُ لهُ، ولا يدْري أَيُّ عمَلٍ يُكتَبُ لهُ بهِ القَبولُ والبركَةُ.
فاجعَلْ حياتَكَ ميدانًا للخيراتِ، وابْذلْ ما اسْتَطعتَ، وأَصلِحِ النِّيَّةَ، وأَحسِنِ الاتِّباعَ، واسأَلِ اللهَ القَبولَ؛ فإنَّ الأَعمالَ تتفاضِلُ عندَ اللهِ بإخلاصِها، وموافقتِها للشَّرعِ، وما تحقِّقُهُ مِن نفْعٍ وخيرٍ.
فاللَّهُمَّ! اجْعَلْ أَعمالَنا خالصَةً لوجهِكَ، موافقَةً لسُنَّةِ نبيِّكَ ﷺ وباركْ لنا في قليلِ الخيرِ وكثيرِهِ، ولا تَحرِمْنا قَبولَ العمَلِ الصَّالحِ وإنْ دقَّ في أَعينِ النَّاسِ.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

