الصِّدقُ بينَ دعوى اللِّسانِ وحقيقَةِ الجَنانِ:

أَخي الدَّاعية الصَّادق!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لصدْقِ السَّريرَةِ - أَنَّ الصِّدْقَ ليسَ كلمَةً تُقالُ، ولا صورَةً تُعرضُ، ولا موقفًا يُصنَعُ للنَّاسِ؛ إنَّما الصِّدْقُ حقيقَةٌ تقومُ في القلْبِ، ثم يفيضُ أَثرُها على اللِّسانِ والجوارحِ والسُّلوكِ.

فالصَّادِقُ معَ اللهِ تعالى: هو الذي يَصْدُقُ في محكمَةِ قلبِهِ قبلَ أَن يظهَرَ في مجالسِ النَّاسِ؛ لا يُخادِعُ نفسَهُ بزخارفِ النَّوايا، ولا يَستُرُ حظوظَهُ بأَسماءِ المصالحِ؛ بلْ يُفتِّشُ عن موضعِ قلبِهِ، ويُراجِعُ بواعِثَ عملِهِ، ويخافُ أَن يكونَ لسانُهُ أَصدَقَ من حالِهِ، وظاهرُهُ أَجملَ من باطنِهِ، وسمعتُهُ بينَ النَّاسِ أَرفعَ من قدرِهِ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ.

وقدْ يتظاهَرُ الإنسانُ بالصِّدْقِ أَمامَ الخلْقِ؛ فإذا خَلا بنفسِهِ، ونظَرَ في مرآةِ قلبِهِ؛ رأَى أَنَّ في الدَّاخلِ حُظُوظًا خفيَّةً، ومصالحَ مُغلَّفَةً، ومخاوِفَ مُسمَّاةً بأَسماءَ شرعيَّةٍ.. وهُنا يكونُ الامتحانُ الحقيقيُّ؛ فاللهُ لا تَنْطلي عليهِ العباراتُ، ولا تُخفي عنهُ الشِّعاراتُ؛ فهو سبحانَهُ يعلَمُ خائنَةَ الأَعينِ وما تُخفي الصُّدورُ.

والصِّدْقُ الكامِلُ: أَن يُوافِقَ باطنُ العبدِ ظاهرَهُ، وأَن يَصدُقَ القلبُ في دعواهُ، ثم تَشهدَ لهُ الجوارحُ في العمَلِ والقولِ والموقفِ؛ فلا يكونُ في السِّرِّ على خلافِ ما يُعلِنُ، ولا في الحقيقَةِ على ضِدِّ ما يَدَّعي.فإذا تكرَّر منهُ ذلكَ، وغلَبَ على أَحوالِهِ، وصارَ خُلُقًا راسِخًا وسَمْتًا ظاهِرًا، عُدَّ من أَهلِ الصِّدْقِ، ورُجيَ لهُ أَن يُكتبَ عندَ اللهِ صدِّيقًا؛ كما قالَ النَّبيُّ ﷺ: »وما يزالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ ويَتَحَرَّى الصِّدْقَ حتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا«.

فالصِّدِّيقُ ليسَ مَن صدَقَ في موقفٍ عابرٍ؛ بلْ مَن صارَ الصِّدْقُ لهُ طبيعَةً، والحقُّ لهُ قبلَةً، ومراقبَةُ اللهِ لهُ ميزانًا؛ حتَّى يستويَ سرُّهُ وعلانيتُهُ، ويكونَ وجهُهُ عندَ اللهِ أَصدَقَ من صورتِهِ عندَ النَّاسِ.

ومن أَخطرِ ما يُفسدُ الصِّدْقَ في ميدانِ الدَّعوَةِ؛ أَن يجعَلَ الدَّاعيَةُ «مصلحَةَ الدَّعوَةِ» ستارًا يُخفي بهِ ضُعْفَ الموقفِ، أَو خوفَ القلْبِ، أَو مجاملَةَ النَّاسِ، أَو حراسَةَ المكانَةِ.. نعمْ؛ للمصلحَةِ الشَّرعيَّةِ اعتبارُها، ولكنَّها مصلحَةٌ منضبطَةٌ بالوحي والعدْلِ والبيانِ؛ لا صَنَمٌ جديدٌ تُذبحُ عندَهُ حقائِقُ الدِّينِ، ولا لافتَةٌ تُعلَّقُ على أَبوابِ المداهنَةِ والسُّكوتِ عن الحقِّ.

فليحذَرِ الدَّاعيَةُ أَن يقولَ بلسانِهِ: هذا لمصلحَةِ الدَّعوَةِ، وقلبُهُ يهمِسُ في الخفاءِ: بلْ لمصلحَةِ صورتي، أَو مكانتي، أَو جماعتي، أَو سلامتي؛ فإنَّ اللهَ تعالى لا تغرُّهُ زخارفُ العباراتِ، ولا تَخفى عليهِ حظوظُ النُّفوسِ إذا تَستَّرَتْ بأَسماءِ المصالحِ.فالمصلحَةُ الشَّرعيَّةُ نورٌ يَهدي إلى الحقِّ، لا ستارٌ يُغطِّي بهِ المرْءُ ضعفَهُ عن نُصرتِهِ؛ وميزانُها الوحيُ والعدْلُ والبصيرَةِ، لا خوفُ السُّمعَةِ، ولا حراسَةُ المكانَةِ، ولا مجاملَةُ الجماعَةِ.

فاللهُ تعالى لا ينظرُ إلى حُسْنِ ترتيبِ الكلامِ؛ بلْ إلى صدْقِ النِّيَّاتِ، وطهارَةِ المقاصِدِ، وحقيقَةِ ما انطوى عليهِ القلبُ يومَ يقِفُ العبْدُ بينَ يدي ربِّهِ جلَّ جلالَهُ.

فحقيقَةُ الصِّدْقِ: أَن يكونَ الحقُّ أَحبَّ إليكَ من نفسِكَ، ورضا اللهِ أَعظمَ في قلبِكَ من رضا الخَلْقِ، وأَن تقولَ الحقَّ بشجاعَةٍ منضبطَةٍ بالحكمَةِ، لا باندفاعٍ يُفسِدُ، ولا بمداهنَةٍ تُميِّعُ.

فليسَ الصِّدْقُ تهوُّرًا يُفسِدُ، ولا مداهنَةً تُميِّعُ، ولا ردَّةَ فعْلٍ تُعمِي؛ ولكنَّهُ كلمَةُ حقٍّ تخرجُ من قلْبٍ مُخلِصٍ، على ميزانِ العلْمِ، وبأَدَبِ النُّصْحِ، وبصيرَةِ المآلاتِ.

فمَن صدَقَ معَ اللهِ تعالى؛ لم يَبِعِ الحقَّ طلبًا لرضا الخَلْقِ، ولم يَتَّخذِ الحقَّ سلاحًا لحظوظِ النَّفسِ؛ بلْ قالَهُ للهِ، وباللهِ، وعلى مرادِ اللهِ؛ جامعًا بينَ شجاعَةِ البيانِ ورحمَةِ النُّصْحِ.

فاللَّهُمََّ! ارزقنا صدْقًا يُطهِّرُ سرائرَنا، ويُقوِّمُ ظواهرَنا، ويجعَلُ أَقوالَنا وأَعمالَنا خالصَةً لوجهِكَ الكريمِ. ولا تجعَلْ دعوتَنا حجابًا عنكَ، ولا علمَنا حجَّةً علينا، واجعلنا من الصَّادقينَ الذينَ وافقَتْ سرائرُهم علانيتَهم، وثبُتوا على الحقِّ بحكمَةٍ ورحمَةٍ وإخلاصٍ؛ إنَّكَ أَنّتَ السَّميعُ العليمُ.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

»لا تَستصغِرْ عملًا صالحًا«:

Next
Next

»حَمِيَّةُ الحُظوظِ؛ لا تَصنَعُ قيادَةً راشدَةً«: