»حَمِيَّةُ الحُظوظِ؛ لا تَصنَعُ قيادَةً راشدَةً«:

أَخي المسلمَ اللَّبيبَ!

اعلمْ - جعلني اللهُ وإيَّاكَ مِنَ المقتدينَ بهَدْي رَسُولِهِ ﷺ القائمينَ بالقِسطِ والعدْلِ - أَنَّ مِن أَخطَرِ آفاتِ القيادَةِ: أَن تنتقَلَ المواقِفُ مِن ميزانِ المبادئِ إلى سلطانِ الانفعالاتِ، وأَن يتحوَّلَ القرارُ مِن حُكمِ العلْمِ والعدْلِ والمصلحَةِ الشَّرعيَّةِ إلى حُكمِ الغضَبِ والرِّضا، وحُظُوظِ النُّفوسِ والمصالحِ الخاصَّةِ.

فالقائِدُ إذا لم يَملِكْ نفسَهُ عندَ الغضَبِ، ولم يضبِطْ موقفَهُ عندَ الرِّضا؛ أَصبحَ عرضَةً لأَن تتغيَّرَ موازينُهُ بتغيُّرِ مشاعرِهِ؛ فيُشدِّدُ على مَن خاصمَهُ فيما يتسامَحُ فيهِ معَ مَن وافقَهُ، ويعظِّمُ خطأَ البعيدِ، ويتغافَلُ عن مثلِهِ أَو أَشَدَّ منهُ إذا صدَرَ مِن قريبٍ أَو حليفٍ.

وإذا غضَبَ بعضُ المتصدِّرينَ اليومَ، لم يكنْ غضبُهُ دائمًا لانتهاكِ حُرمَةٍ أَو ضياعِ حقٍّ أَو مخالفَةِ مبدَأٍ؛ بلْ قدْ تتسلَّلُ إلى موقفِهِ حُظُوظُ النَّفسِ، والانتصارُ للمكانَةِ، أَو الجماعَةِ، أَو المصلحَةِ الخاصَّةِ؛ فيبلِغُ في الخُصُومَةِ مبلغًا يَصعَبُ معهُ رَتقُ الفَتقِ، ويَعجَزُ الحكماءُ بعدَ ذلكَ عن إصلاحِ ما أَفسدتْهُ الحَمِيَّةُ والعنادُ وسوءُ التَّقديرِ.

ثمَّ إذا رضيَ عن شخصٍ أَو جهَةٍ، اضْطَربَ الميزانُ مِنَ الجهَةِ الأُخرى؛ فيتساهَلُ فيما كانَ يُشدِّدُ فيهِ، ويعتذِرُ عمَّا كانَ يَعيبُهُ، ويُجامِلُ حيثُ كانَ ينتقِدُ؛ فيختلِطُ عليهِ »الوفاءُ للمبدَأِ بالوفاءِ للأَشخاصِ، والثَّباتُ على الحقِّ بالانتصارِ للحظِّ، والحكمةُ المشروعَةُ بالتَّنازلِ الذي تمليهِ المصلحَةُ الآنيَّةُ«.

وقدْ وضَعَ »القرآنُ الكريمُ« ميزانًا عظيمًا لاختبارِ صِدْقِ المواقِفِ، فقالَ اللهُ تعالى:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].

فالعدْلُ لا يُختبَرُ معَ مَن نحبُّ فحسبُ، وإنَّما يظهَرُ كمالُهُ عندَ الخُصُومَةِ؛ كما أَنَّ الثَّباتَ على المبدَأِ لا يُختبَرُ معَ الخصْمِ فقطْ؛ بلْ يظهِرُ أَيضًا حينَ يكونُ المخالفُ صديقًا أَو حليفًا أَو صاحِبَ مصلحَةٍ مشتركَةٍ.

ولهذا فالقائِدُ الرَّاشِدُ؛ »لا تتبدَّلُ موازينُهُ بتبدُّلِ مزاجِهِ، ولا يَظلِمُ عندَ الغضَبِ، ولا يُداهِنُ عندَ الرِّضا، ولا يجعَلُ صداقتَهُ أَو خصومتَهُ معَ الأَشخاصِ معيارًا للحقِّ والباطلِ«؛ وإنَّما يزِنُ المواقِفَ بالعلْمِ والعدْلِ والحكمةِ، وفقهِ الواقعِ والمآلاتِ، والمصلحَةِ الشَّرعيَّةِ الراجحَةِ.

والقيادَةُ الحقَّةُ تحتاجُ إلى قدْرٍ كبيرٍ مِن تجرُّدِ النَّفسِ؛ لأَنَّ أَخطرَ أَنواعِ الهوى ما لبسَ لباسَ المبدَأِ، وأَشدَّ الحَمِيَّةِ خداعًا ما ظنَّ صاحبُها أَنَّهُ ينتصِرُ للحقِّ وهو في حقيقتِهِ ينتصِرُ لنفسِهِ.

فالقيادِةُ التي تحكمُها حُظُوظُ النُّفوسِ قدْ تُفسِدُ باسمِ الإصلاحِ، وتَظلِمُ باسمِ المبدِأِ، وتُفرِّقُ باسمِ الغَيرَةِ؛ أَمَّا القيادَةُ الرَّاشدَةُ فتبقَى وفيَّةً للحقِّ في الغضَبِ والرِّضا، والقُرْبِ والبُعْدِ، والصَّداقَةِ والخصومَةِ.

ومِن علاماتِ الرُّشْدِ القياديِّ: أَن يبقَى ميزانُكَ واحدًا حينَ تحبُّ وحينَ تكرِهُ، وحينَ ترضَى وحينَ تغضَبُ؛ لأَنَّ المبادئَ التي تتبدَّلُ بتبدُّلِ الأَشخاصِ ليسَتْ مبادئَ، وإنَّما هيَ حُظُوظٌ لبسَتْ ثوبَ المبادئِ.

فاللَّهمَّ! طهِّرْ قلوبَنا مِن حُظُوظِ النُّفوسِ، وأَلهمْنا العدْلَ في الرِّضا والغضَبِ، والتَّجرُّدَ للحقِّ في القُربِ والبُعدِ، وارزقْنا حكمةً تضبِطُ مواقفَنا، وبصيرَةً تُحسنُ تقديرَ المآلاتِ، ولا تجعَلْ أَهواءَنا حَكَمًا على مبادئِنا، واجعلْنا ممَّن يقولونَ الحقَّ، ويعدلونَ فيهِ، ويثبتونَ عليهِ ابتغاءَ وجهِكَ وحدَكَ.، آمين!

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

الصِّدقُ بينَ دعوى اللِّسانِ وحقيقَةِ الجَنانِ:

Next
Next

»العَينُ بينَ الأَخذِ بالأَسبابِ وحِفظِ القلبِ بالأَذكارِ«: