»العَينُ بينَ الأَخذِ بالأَسبابِ وحِفظِ القلبِ بالأَذكارِ«:
أَخي المسلمَ الصَّادق!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لحِفظِ النِّعَمِ وشُكرِها، وحُسنِ التوكُّلِ عليهِِ - أَنَّ إصابتَكَ بالعَينِ لا تعني بالضَّرورَةِ أَنَّكَ أَجملُ النَّاسِ، أَو أَغناهم، أَو أَرفعُهم منزلةً؛ فالعَينُ حقٌّ، وقدْ تقعُ على نعمَةٍ ظاهرَةٍ أَو خفيَّةٍ، وعلى صغيرٍ أَو كبيرٍ، وغنيٍّ أَو فقيرٍ، ولا يقعُ شيءٌ من ذلكَ إلَّا بإذنِ اللهِ وقَدَرِهِ.
ولكنَّ المؤمنَ العاقلَ إذا علمَ أَنَّ العَينَ حقٌّ، لم يَغترَّ بنفسِهِ، ولم يفتحْ على قلبِهِ بابَ الوَسواسِ، ولم يُهمِلْ أَسبابَ الحِفظِ التي شرعَها اللهُ؛ بلْ يجمعُ بينَ «صِدقِ التَّوكُّلِ، والأَخذِ بالأَسبابِ، وحُسنِ الظَّنِّ باللهِ، والاستعاذَةِ بهِ من كلِّ شرٍّ».
ومِن أَعظمِ ما تُحفَظُ بهِ النِّعَمُ: شُكرُ اللهِ تعالى، والمحافظةُ على الأَذكارِ المشروعَةِ، ولا سيَّما أَذكارَ الصَّباحِ والمساءِ، وقِراءَةُ المعوِّذاتِ، والالتجاءُ إلى اللهِ بالدُّعاءِ؛ معَ صيانَةِ بعضِ النِّعَمِ عن أَعينِ مَن يُخشَى حسدُهُ أَو سوءَ قصدِهِ، من غيرِ إفراطٍ في الخوفِ، ولا إساءَةِ ظنٍّ بالنَّاسِ.
وليسَ مِنَ العدْلِ ولا الفقهِ أَن يُقالَ لكلِّ مَن أُصيبَ بالعَينِ: إنَّكَ مُقصِّرٌ في الذِّكرِ لا محالَةَ؛ فقدْ يُبتلى المؤمنُ وهو مِن أَهلِ الذِّكرِ والطَّاعَةِ، لحِكمةٍ يعلمُها اللهُ تعالى، كما يُبتلى بغيرِها من الأَمراضِ والمصائبِ.
ولكنَّ البلاءَ - أَيًّا كانَ سببُهُ - فرصَةٌ لمراجعَةِ النَّفسِ، وتجديدِ الافتقارِ إلى اللهِ، وتقويةِ الصِّلَةِ بهِ، والعنايَةِ بالأَسبابِ الشَّرعيَّةِ التي قدْ يغفلُ عنها العبدُ في حالِ العافيَةِ.
كما لا ينبغي أَن تُنسَبَ كلُّ عِلَّةٍ أَو تعبٍ أَو اضطرابٍ إلى العَينِ والحسَدِ؛ فإنَّ للأَمراضِ أَسبابًا كثيرَةً، ومِن كمالِ التَّوكُّلِ أَن يجمَعَ المسلمُ بينَ الرُّقيَةِ الشَّرعيَّةِ والأَذكارِ، وبينَ مراجعَةِ أَهلِ الاختصاصِ والأَخذِ بالأَسبابِ الطِّبِّيَّةِ المعتبرَةِ عندَ الحاجَةِ.
فلا تجعلْ نعمتَكَ بابًا للعُجْبِ، ولا خوفَكَ مِنَ العَينِ بابًا للوَسواسِ، ولا تعلقْ قلبَكَ بالأَسبابِ حتَّى تنسى مسبِّبَها؛ ولكنِ احفَظْ نعمتَكَ بالشُّكرِ، وقلبَكَ بالتَّوحيدِ، ونفسَكَ بالأَذكارِ المشروعَةِ، وخُذْ بالأَسبابِ النافعَةِ، واعلمْ أَنَّ الحافِظَ هو اللهُ وحدَهُ.
فالمؤمنُ لا يستهينُ بالعَينِ حتَّى يُهمِلَ التَّحصينَ، ولا يُعظِّمُها حتَّى يعيشَ أَسيرَ الخوفِ؛ بلْ يُعظِّمُ ربَّهُ، ويأْخذُ بالأَسبابِ، ويطمئنُّ إلى أَنَّ الأَمرَ كلَّهُ للهِ.
فاللَّهُمَّ! احفظْنا بحِفظِكَ، وباركْ لنا فيما رزقتَنا، وأَدِمْ علينا نِعَمَكَ بالشُّكرِ، واجعلْ أَلسنتَنا رطبَةً بذِكرِكَ، وقلوبَنا عامرَةً بالتَّوكُّلِ عليكَ، واكفِنا شرَّ الحاسدينَ والعائنينَ، وكلَّ شرٍّ أَنْتَ آخذٌ بناصيتِهِ.. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

