»كلامُ السَّلفِ؛ ميزانٌ للفَهمِ ورصيدٌ للبصيرَةِ«:

أَخي المسلمَ الصَّادق!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لفَهمِ دينِهِ على نورِ الوحي وهَدْيِ السَّلفِ الصَّالحِ - أَنَّ مِن أُصولِ أَهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ: العنايَةَ بفَهمِ الصَّحابَةِ والتَّابعينَ وأَئمَّةِ القرونِ المفضَّلَةِ لنصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ؛ لأَنَّهم أَقربُ الأُمَّةِ عهدًا بالتَّنزيلِ، وأَعرفُها بلُغَةِ الوحي وسياقاتِهِ، وأَشهَدُها لأَحوالِ النُّبوَّةِ، وأَرسخُها في بابِ الاتِّباعِ والتَّلقِّي.

ولم تكنْ مزيَّتُهم مجرَّدَ السَّبقِ الزَّمانيِّ؛ بلْ اجتمَعَ لهم مِن صِحَّةِ التَّلقِّي، وقُربِ العهْدِ بالنُّبوَّةِ، وسلامَةِ اللِّسانِ، وقوَّةِ الإيمانِ، وقلَّةِ التَّكلُّفِ؛ ما جعَلَ فَهمَهم أَصلًا عظيمًا في تفسيرِ الوحي وضبْطِ معانيهِ.

ولهذا قالَ النَّبيُّ ﷺ: »خيرُ النَّاسِ قرني، ثمَّ الذينَ يلونَهم، ثمَّ الذينَ يلونَهم«.

وقالَ اللهُ تعالى في شأْنِ السَّابقينَ الأُوَّلينَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.

ومن هُنا كانَتْ آثارُ السَّلفِ كنزًا في الفَهمِ والبصيرَةِ؛ فكثيرٌ مِن كلامِهم قليلُ الأَلفاظِ، عظيمُ المعاني، بعيدُ الأَثرِ؛ لأَنَّهُ صادِرٌ عن علمٍ بالوحي، وتجربَةٍ في التَّعبُّدِ والدَّعوَةِ والجهادِ والتَّربيَةِ، ومخالطَةٍ لأَحوالِ النُّفوسِ والفتنِ.

لكنَّ تعظيمَ كلامِ السَّلفِ لا يعني عصمَةَ كلِّ فردٍ منهم، ولا أَنَّ كلَّ قولٍ منسوبٍ إلى واحدٍ منهم يكونُ حُجَّةً مستقلَّةً بنفسِهِ؛ وإنَّما الميزانُ هو »الكتابُ والسُّنَّةُ، وفَهمُ الصَّحابَةِ وما اتَّفقَ عليهِ أئمَّةُ السَّلفِ أَو اشتهرَ بينهم ولم يُعرَفْ لهُ مخالفٌ معتبرٌ« معَ ردِّ ما اختلفوا فيهِ إلى الدَّليلِ، وجمعِ النُّصوصِ، والنَّظرِ في قواعدِ الشَّريعَةِ.

فلا تَزهدْ في آثارِهم، ولا تستبدِلْ بما ثبتَ عنهم ظنونًا حادثَةً أَو تأْويلاتٍ متكلَّفَةً؛ فإنَّ مَن قطَعَ صلتَهُ بفَهمِ القرونِ الأُولى عرَّضَ نفسَهُ لقراءَةِ الوحي بعيونِ عصرِهِ وحدَهُ، لا بلسانِ التَّنزيلِ وبيانِ مَن تلقَّوه أَوَّلًا.

وكلامُ السَّلفِ في أَبوابِ الاعتقادِ والإيمانِ والتَّزكيَةِ والدَّعوَةِ والمنهجِ والفتنِ «رصيدُ بصيرَةٍ»؛ يُعينُ طالبَ الحقِّ على معرفَةِ مواقعِ الزَّللِ، ومداخَلِ الهوى، وفِقهِ النُّفوسِ، وسُننِ التَّغييرِ، وكيفيَّةِ تنزيلِ النُّصوصِ على الوقائعِ بغيرِ إفراطٍ ولا تفريطٍ.

فالعاقِلُ لا يقرأُ القرآنَ والسُّنَّةَ بمعزَلٍ عن فَهمِ الجيلِ الذي نزلَ الوحيُ بينَ ظهرانَيْهِ، ولا يجعَلُ المتأَخِّرَ حَكَمًا على المتقدِّمِ لمجرَّدِ حداثَةِ زمانِهِ؛ بلْ يجمَعُ بينَ صِحَّةِ الدَّليلِ، وسلامَةِ الفَهمِ، والاستفادَةِ مِن ميراثِ القرونِ المفضَّلَةِ.

فمَن أَرادَ سلامَةَ الطَّريقِ؛ فليلزمْ كتابَ اللهِ وسُنَّةَ رَسُولِهُ ﷺ، مستضيئًا بفَهمِ الصَّحابةِ والتَّابعينَ وأَئمَّةِ الهُدى، مستفيدًا مِن اجتهاداتِ العلماءِ بعدَهم، رادًّا الجميعَ إلى الوحي؛ فإنَّ الخيرَ في الاتِّباعِ، والضَّلالَ يبدَأُ حينَ يستغني المرءُ عن هَدْي الوحي وميراثِ أَهلِهِ الأَوَّلينَ.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

عُضوُ »‬رابطةِ‭ ‬علماءِ‭ ‬المسلمين‬‮«‮‬‭ ‬و»الرابطةِ‭ ‬العالميةِ‭ ‬للفقهاءِ‬‮«‮‬‭.‬

١٤ ربيع الأول ١٤٤٨هـ - ٢٠٢٦/٨/٢٧م

Previous
Previous

»العَينُ بينَ الأَخذِ بالأَسبابِ وحِفظِ القلبِ بالأَذكارِ«:

Next
Next

»تعظيمُ النَّبيِّ ﷺ باتِّباعِهِ؛ لا بإحداثِ ما لم يشرعْهُ«: