أُصولٌ محكمةٌ في ضوابط طلب العلم ومناهجهِ (١٤):

ميزانُ العدلِ في تقويمِ ابنِ تيميَّةَ:

أَخي طالبَ العلمِ اللَّبيبَ!

اعلمْ أَنَّ العدلَ في تقييمِ العلماءِ ليسَ بإطرائِهم إطراءً يُفضي إلى الغلوِّ، ولا بانتقاصِهمُ انتقاصًا يجرُّ إلى الجفاءِ، وإنما هو ميزانٌ يقومُ على العلمِ والإنصافِ والأَدبِ؛ فيُذكَرُ فضلُهم، ويُعرَفُ قدرُهم، ويُبيَّنُ ما أُخِذَ عليهم بِلا إفراطٍ ولا تفريطٍ؛ فالعالِمُ الكبيرُ قدْ يُثنَى عليهِ في الجملةِ، ويُخالَفُ في بعضِ التَّفاصيلِ، ولا يلزمُ من خطئِهِ إسقاطُهُ، ولا من فضلِهِ القولُ بعصمَتِهِ.

واختلافُ العلماءِ من دواعي الاجتهادِ، وهو سعَةٌ في الفروعِ إذا انضبطَ بأُصولهِ، وابتلاءٌ في المنهجِ يُمتَحنُ بهِ صِدْقُ الطَّالبِ وإنصافُهُ؛ فالخلافُ الفقهيُّ ليسَ مَطعنًا في الدِّينِ، بلْ هو سَعَةٌ شرعيَّةٌ إذا كانَ مبناهُ الدَّليلِ، ومَرجِعُهُ قواعِدَ التَّرجيحِ، وقلبُ صاحبِهِ بريئًا من التَّعصُّبِ، ومنهجُهُ قائمًا على العدْلِ والإنصافِ.

والواجبُ عندَ وقوعِ الخلافِ: لُزُومُ الحقِّ بتحكيمُ الدَّليلِ، وصيانَةُ المقامِ، وتركُ التَّعصُّبِ للرِّجالِ؛ فالمعيارُ صحَّةُ البُرهانِ لا مكانَةُ القائِلِ، ويُردُّ الخطأُ ولا تُهدَرُ الكرامَةُ، ويُقصَدُ البَيانُ لا المُغالبَةُ.

وهذا هو المنهجُ الَّذي سارَ عليهِ أَئمَّةُ أَهلِ السُّنَّةِ والجماعَةِ من السَّلفِ الصَّالحِ في تعامُلهمْ معَ الأَكابرِ والأَئمَّةِ الأَعلامِ.

ومن هذا الميزانِ العلميِّ يُنظرُ إلى شيخِ الإسلامِ أَحمدَ بنِ عبدِ الحليمِ ابنِ تيميَّةَ رحمهُ اللَّهُ (ت 728هـ):

أَحدِ أَبرزِ أَعلامِ القرنِ الثَّامنِ الهجريِّ؛ فقدْ كانَ إمامًا راسخَ القدَمِ في عُلومِ الشَّريعةِ، واسِعَ الاطِّلاعِ على مذاهبِ المتقدِّمينَ والمتأَخِّرينَ، قويَّ الاستدلالِ، نافِذَ البصيرةِ، حاضِرَ الحُجَّةِ، متينَ العبارةِ، عظيمَ العنايةِ بتقريرِ التَّوحيدِ، ونُصرَةِ السُّنَّةِ، والذَّبِّ عن أُصولِ الإسلامِ بالحجَّةِ والبُرهانِ.جمعَ بينَ سعةِ الرِّوايةِ ودقَّةِ الدِّرايةِ؛ فبرعَ في التَّفسيرِ والحديثِ والفقهِ وأُصولهِ والعقيدَةِ والرَّدِّ على المخالفينَ، حتَّى عُدَّ عندَ كثيرٍ من أَهلِ العلمِ من كبارِ المجتهدينَ في عصرهِ.

ولم يكنْ عِلمُهُ حبيسَ الدَّرسِ والتَّصنيفِ، بلِ اقترنَ بجهادٍ عمليٍّ وموقفٍ ظاهرٍ؛ فكانَ لهُ دورٌ في تحريضِ المسلمينَ على مُقاومةِ التَّتارِ، وشاركَ في بعضِ المواطنِ؛ فاجتمعَ لهُ جهادُ البيانِ وجهادُ الميدانِ.

وقدْ أَثنَى عليهِ غيرُ واحدٍ من أَئمَّةِ عصرهِ ومَن بعدَهُم في سعةِ علمهِ وقوَّةِ استحضارهِ للنُّصوصِ، وكانَ من أَشهرِ تلاميذهِ الَّذينَ حملوا علمهُ ونشروا تُراثهُ: ابنُ القيِّمِ، وابنُ كثيرٍ، والذَّهبيُّ، وغيرُهم من كبارِ العلماءِ؛ حتَّى امتدَّ أَثرهُ في مدارسِ العلمِ قرونًا مُتتابعةً.

ومعَ عُلُوِّ منزلتِهِ وسمُوِّ مكانتِهِ؛ فقدْ خالفَهُ غيرُهُ من الأَئمَّةِ في مسائِلَ عِدَّةٍ معروفَةٍ، ونُوقِشَ بعضُ أَقوالِهِ واختياراتِهِ الاجتهاديَّةِ، وذلكَ من سُنَّةِ الاختلافِ بينَ المجتهدينَ؛ إذْ ليسَ أَحدٌ بعدَ رسولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا ويؤخَذُ من قولِهِ ويُتركُ. فالمجتهِدُ يُصيبُ ويُخطئُ، وفضلُهُ محفوظٌ، وخطؤُهُ مردودٌ بالحُجَّةِ والدَّليلِ، والحقُّ أَحقُّ أَنْ يُتَّبعَ.

فالعدلُ فيهِ - وفي أَمثالهِ من كبارِ الأَئمَّةِ - أَن يُحفظَ لهُ قدرُهُ العلميُّ، ويُنتفعَ بما قامَ عليهِ الدَّليلُ من أَقوالِهِ، ويُبيَّنَ ما خُولِفَ فيهِ بإنصافٍ وتجرُّدٍ، من غيرِ غلُوٍّ ولا جفاءٍ؛ فإنَّ تعظيمَ العلماءِ من تعظيمِ العلمِ، والطَّعنَ فيهم بغيرِ علمٍ من خِذلانِ النَّفسِ قبلَ أَن يكونَ انتِقاصًا لغيرِها.

رحمَ اللَّهُ ابنَ تيميَّةَ، وسائِرَ علماءِ المسلمينَ، رحمَةً واسعَةً، ورفَعَ درجاتهِمْ في علِّيِّينَ، وأَجزلَ لهمُ المثوبَةَ على ما بذَلوا من نُصرَةِ الدِّينِ، وبيانِ الحقِّ، والصَّبرِ على الأَذى في سبيلهِ.

وجزاهُمْ عن الإسلامِ وأَهلِهِ خيرَ الجزاءِ، وجعلَ سعيهُمْ في موازينِ حسناتِهمْ، ونفعَ بعلمهِمْ في الدَّارينِ.

وجعلَنا من المنصفينَ؛ الَّذينَ يعرفونَ لأَهلِ الفضلِ فضلَهُمْ، ولا يحمِلُهمُ الاقتِداءُ على غُلُوٍّ، ولا الاختِلافُ على جفاءٍ؛ بلْ يزِنونَ الأَقوالَ بالبُرهانِ، ويُقدِّمونَ الحقَّ على كُلِّ أَحدٍ.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

سلسلَةٌ دعويَّةٌ تربويَّةٌ: صفاتٌ لا تليقُ بمؤُمنٍ؛ يجبُ أَنْ نحذرَها..

Next
Next

أُصولٌ محكمةٌ في ضوابط طلب العلم ومناهجهِ (٨-١٣):