سلسلَةٌ دعويَّةٌ تربويَّةٌ: صفاتٌ لا تليقُ بمؤُمنٍ؛ يجبُ أَنْ نحذرَها..

»سُوءُ الظَّنِّ«: مرضُ القلوبِ الخفيُّ.. عِلَّةُ السَّرائرِ ومَدخلُ الغَوائِلِ:

أَخي المسلمَ الصَّادقَ المستَبصِرَ!

ااعلمْ أَنَّ كلَّ ما يخطُرُ في النَّفسِ ليسَ حقًّا، ولا كلُّ ما يُرى يُفهمُ على وجههِ، ويُدرَكُ على حقيقتِهِ؛ فكمْ من ظنٍّ تسلَّلَ إلى القلبِ فاستحكَمَ؛ حتى بدَّلَ صفاءَهُ كدرًا، وأَفسدَ عليهِ وشائِجَ وُدِّهِ، وأَورثَهُ قلقًا لا ينقطعُ.

إنَّ سوءَ الظَّنِّ من أَخْطرِ آفاتِ القلوبِ؛ لكونِهِ يعملُ في الخفاءِ، ويتلبَّسُ بلباسِ الحيطَةِ والفِطنَةِ، وهو في جوهرِهِ مدخَلٌ من مداخِلِ الشَّيطانِ لتمزيقِ عُرَى الأُلفَةِ، ونزغِ طُمأْنينَةِ النُّفوسِ.

* التَّعريفُ: سُوءُ الظَّنِّ: هو ترجيحُ جانبِ الشَّرِّ في أَفعالِ النَّاسِ وأَقوالهِمْ دونَ قرينَةٍ معتبرَةٍ، وحملُها على أَسوَأِ الوجوهِ معَ إمكانِ حملِها على الخيرِ.

* تنبيهٌ منهجيٌّ: ليسَ المرادُ بسوءِ الظَّنِّ الحذرَ المشروعَ المبنيَّ على دلائِلَ ظاهرَةٍ؛ بلْ هو «حكمٌ قلبيٌّ بِلا بيِّنَةٍ» يفضي بصاحبِهِ إلى مهاوي الظُّلمِ والبغي.

* التَّأْصيلُ الشَّرعيُّ: تقومُ السَّلامَةُ القلبيَّةُ على أَصلينِ شرعيَّينِ:

- من القرآنِ: قولُهُ تعالى: ﴿يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾.

- من السُّنَّةِ: قولُ النَّبيِّ ﷺ: »إِيَّاكُمْ والظَّنَّ؛ فإنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحدِيثِ«.

وهذهِ النُّصوصُ تؤَسِّسُ لأَصلٍ محكمٍ وقاعدَةٍ كلِّيَّةٍ في بابِ التَّعامُلِ معَ المسلمينَ:

أَنَّ الأَصلَ في المسلمِ براءَةُ الذِّمَّةِ وسلامَةُ القصدِ، وأَنَّ كلامَهُ وفِعلَهُ يحملانِ على أَحسنِ المحامِلِ ما وُجِدَ إلى ذلكَ سبيلٌ معتبَرٌ؛ عملًا بقاعدَةِ »إحسانِ الظَّنِّ بأَهلِ الإسلامِ«.

وأَنَّ العُدولَ عن هذا الأَصلِ إلى اتِّهامِ النِّيَّاتِ وتغليبِ جانبِ الشَّرِّ بغيرِ بيِّنَةٍ قاطعَةٍ أَو قرينَةٍ معتبرَةٍ؛ هو خروجٌ عنِ المنهجِ الشَّرعيِّ، ووقوعٌ في عينِ المأْثَمِ، وفتحٌ لبابِ الظُّلمِ والفسادِ في السَّرائِرِ والعلائِقِ.

* التَّحليلُ النَّفسيُّ والاجتماعيُّ: لا يأْتي الشَّيطانُ إلى العبدِ داعيًا إلى الظُّلمِ تصريحًا؛ بلْ يسلُكُ مسلكَ التَّزيينِ؛ فيُلقي في القلبِ خواطِرَ يكسوها ثوبَ «الفطنَةِ» و«الحذرِ»: (تنبَّهْ.. لا تثِقْ.. رُبَّما قصدَ كذا..).

ومعَ استمراءِ هذِهِ الخواطِرِ والاسترسالِ معَها؛ ينتقِلُ العبدُ من مجرَّدِ »خاطرٍ عابرٍ« إلى »اعتِقادٍ مستقِرٍّ« حتى يرى الخلقَ بمرآةٍ مشروخَةٍ، ويقرأُ أَفعالهُمْ على غيرِ مقاصدِها؛ فينقلِبُ الذَّكاءُ إلى وسواسٍ، والبصيرَةُ إلى ريبَةٍ تقطَعُ حبالَ الثِّقَةِ، وتهدِمُ أُسسَ الأُلفَةِ.

* الآثارُ الوخيمَةُ: لسُوءِ الظَّنِّ تبعاتٌ جسيمَةٌ لا تنحصِرُ في ذمَّةِ صاحبِهِ؛ بلْ تسري عدواها إلى محيطِهِ، وتتفشَّى في مناحي الحياةِ كافَّةً:

١- على القلبِ: يورِثُ كدرَ النَّفسِ، وضيقَ الصَّدرِ، وفقدَ السَّكينَةِ، وفسادَ السَّريرَةِ.

٢- على السُّلوكِ: يحمِلُ على التَّجسُّسِ، وتتبُّعِ العوراتِ، والولوغِ في الغيبَةِ، واتِّهامِ الأَبرياءِ.

٣- على العلائقِ: يزرَعُ الوحشَةَ بينَ الخِلَّانِ، ويبُتُّ حِبالَ الأَواصِرِ، ويَقوضُ أَركانَ الثِّقَةِ، ويُبدِّدُ مودَّةَ القلوبِ.

٤- على المجتمَعِ: يُشيعُ مناخَ الرِّيبَةِ، ويُضعِفُ روحَ الأُخوَّةِ، وينقُضُ عُرى التَّرابُطِ الإيمانيِّ والإنسانيِّ.ومن ثَمَّ جاءَ النَّهيُ الشَّرعيُّ عنهُ «سدًّا لذَرائِعِ مفاسِدَ أَعظَمَ»؛ صيانَةً لطهارَةِ الباطِنِ، وحِفظًا لنظَامِ الأُلفَةِ الاجتِماعيَّةِ.

* منْهاجُ العِلاجِ: يقومُ عِلاجُ هذا الدَّاءِ على «تصحيحِ المنهجِ القلبيِّ» وتهذيبِ مسالكِهِ، عبرَ أُصولٍ منضبطَةٍ:

١- إعمالُ قاعدَةِ الإحسانِ في الظَّنِّ: حملُ قولِ المسلمِ وفعلِهِ على أَحسنِ المحامِلِ ما وُجِدَ لذلكَ مساغٌ معتبَرٌ، وعدَمُ العُدولِ عنهُ إلَّا بقرينَةٍ.

٢- طلَبُ البيانِ قبلَ الحُكْمِ: فكمْ من ظنٍّ زالَ بسؤَالٍ رفيقٍ، وكمْ من خصومَةٍ أَخمدَها توضيحٌ صادِقٌ.

٣- محاسبَةُ الخواطِرِ ودفعُها في مبادئِها: فإنَّ الخاطِرَ إذا تركَ استحالَ وهمًا، ثمَّ يتطوَّرُ إلى اعتِقادٍ مستقِرٍّ.

٤- إعمالُ قاعدَةِ العدْلِ والمماثلَةِ: أَنْ تكرَهَ لغيرِكَ ما تكرهُهُ لنفسِكَ من إساءَةِ الظَّنِّ وفاسِدِ التَّأْويلِ.

٥- تزكيَةُ الصَّدْرِ وتقويَةُ سلامتِهِ: بالإقبالِ على الطَّاعاتِ، وتركِ تتبُّعِ العوراتِ، وتربيَةِ النَّفسِ على حُسنِ الظَّنِّ.

فبهذِهِ الأُصولِ ينضبِطُ النَّظرُ، وتسلَمُ السَّريرَةُ، وينغلِقُ بابُ الوسوسَةِ والظُّنونِ الفاسدَةِ.

الخاتمةُ: المؤْمنُ ليسَ بالخبِّ (الخدَّاعِ) ولا هو بالمرتابِ الَّذي يسيءُ الظَّنَّ بكلِّ أَحدٍ؛ بلْ هو عدْلٌ في نظرِهِ، سليمٌ في صدرِهِ، محكومٌ بالبيِّنَةِ لا بالوهْمِ.

وإذا كانَ «سوءُ الظَّنِّ» بابًا لتَسلُّطِ الشَّيطانِ؛ فإنَّ «حُسنَ الظَّنِّ» مِعراجٌ لصفاءِ القلبِ وطُمأْنينَةِ الحياةِ؛ ومَن حفِظَ قلبَهُ منَ الظُّنونِ الفاسدَةِ، حفِظَ اللَّهُ لهُ دينَهُ، وعلائقَهُ، وسكينتَهُ.

اللَّهُمَّ! طهِّرْ قلوبَنا من سوءِ الظَّنِّ، ونَقِّ سرائِرنا منَ الرِّيبِ، واجعلْنا من أَهلِ حُسنِ الظَّنِّ بكَ وبعِبادِكَ.

اللَّهُمَّ! لا تجعَلْ في قُلوبِنا غِلًّا للَّذينَ آمنوا، وارزُقْنا سلامَةَ الصُّدُورِ وصِدْقَ النِّيَّةِ.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

»تعظيمُ النَّبيِّ ﷺ باتِّباعِهِ؛ لا بإحداثِ ما لم يشرعْهُ«:

Next
Next

أُصولٌ محكمةٌ في ضوابط طلب العلم ومناهجهِ (١٤):